ثم أخبر عن فرض القتال بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216] ، والإشارة فيها: أن قتال النفس وجهادها في الله أمر لازم حق واجب بقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] ؛ ولكنه للطبع فيه كراهة عظيمة، وحقيقة الجهاد رفع الوجود المجازي، فإنه الحجاب بين العبد والرب كما قيل: وجودك ذنب لا يقاس به ذنب، وكما قال ابن منصور رحمه الله: بيني وبينك أني يزاحمني فارفع بجودك أني من البين {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً} [البقرة: 216] ؛ يعني: تكره النفس رفع وجودها {وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216] أي: خير للنفس بأن تتبدل أوصاف الوجود الحقيقي {وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً} [البقرة: 216] ، وهو تمتعات النفس البهيمية باللذات الجسمانية {وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} [البقرة: 216] ؛ أي شر للنفس بحرمانها عن السعادة الأبدية، واللذات الروحانية، وذوق المواهب الربانية {وَاللَّهُ يَعْلَمُ} [القرة: 216] ، أن في كراهة النفوس ما أودع من راحة القلوب، وفي قتلها ما قدر من الحياة {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216] ، أن حياة القلوب في موت النفوس، وفي حياة النفوس موت القلوب، كما قال:
أَقَتلوني يا ثِقاتي ... إِنَّ في قَتلي حَياتي