ثم أخبر عن كمال جهلهم وغرورهم إن اليهود ادعوا الاختصاص عن الله تعالى بالأشياء، فكذبهم الله تعالى بقوله: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ} [البقرة: 94] ، إلى قوله: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 96] والإشارة في تحقيق الآيات أن من علامات الاشتياق تمني الموت على بساط العوافي، ومن وثق أن الجنة له فلا محب له ليشتاق إليها، وفيه معنى آخر وهو من أمارة أن يكون المرء من أهل الجنة تمنيه الموت لقوله تعالى: {فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ} [البقرة: 94] ، قال عقيب ادعائهم أنهم أهل الجنة بفاء التعقيب يعني {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 94] ، موقنين من أهل الجنة حقيقة، فتمني الموت يكون بوصف حالكم.
ثم قال تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} [البقرة: 95] ، من سوء الأفعال والأقوال والأحوال؛ يعني: أن لا يكون تمني الموت من نتائج معاملات السوء التي توجب النار، وفيه إشارة إلى النار باب علوم الظاهر المنكرين على أرباب علوم الباطن يزعمون أنهم من أهل النجاة والدرجات دون الأئمة المحققين، فجعل الله تعالى أمارة أهل النجاة السلامة مع الحياة الدنيا وتمني الموت، وهذا وصف حال السالك الصادق والمحقق العاشق، كما قال بعضهم:
أقتلوني يا ثِقاتي ... إِنَّ في قَتلي حَياتي
وَمَماتي في حَياتي ... وَحَياتي في مَماتي