أو عن صديق فكانت سبب عداوته، أو صرت رهيناً لمن سمعها خائفاً أن يظهرها.
فالحزم كتمان الحب والبغض.
وكذا ينبغي أن تكتم سنك فلا تلغو به بين الناس فإن كنت كبيراً استهرموك وإن كنت صغيراً استحقروك.
وكذلك مقدار مالك فإنه إن كان كثيراً نسبوك في نفقتك إلى البخل. وإن كان قليلاً طلبوا الراحة منك.
وكذلك المذهب، فإنك إن أظهرته لم تأمن أن يسمعه مخالف فيقطع بكفرك.
وقد أنشدنا محمد بن عبد الباقي البزار.
احفظ لسانك لا تبح بثلاثة ... سنّ ومالٍ ما استطعت ومذهب
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة ... بمموه ومخرف ومكذب
(فصل لا يغني حذر عن قدر)
ينبغي للعاقل أن يحترز غاية ما يمكنه، فإذا جرى القدر مع احترازه لم يلم.
والاحتراز ينبغي من كل شيء يكن وقوعه، وأخذ العدة لذلك واجب، وهذا يكون في كل حال، فقد قص رجل ظفره فجار عليه فخبثت يداه فمات.
ومر شيخنا أحمد الحربي وهو راكب بمكان ضيق فتطأطأ على السرج فانعصر فؤاده فمرض فمات.
وكان يحيى بن نزار شيخاً يحضر مجلس قد طرق عليه ثقل الأذن فاستدعى طرقياً فمص أذنه فجرى شيء من مخه فمات.
وانظر إلى احتراز رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر على حائط مائل فأسرع.
وينبغي أن يحترز بالكسب في زمن شبابه ادخاراً لزمن شيبه.
ولا ينبغي أن يثق بمعامل إلا بوثيقة. وليبادر بالوصية مخافة أن يطرقه الموت. ويحترز من صديقه فضلاً عن عدوه.
ولا يثق بمودة من قد آذاه هو، فإن الحقد في القلوب قلما يزول.
وليحترز من زوجته، فربما أطلعها على سره ثم طلقها فيتأذى بما تفعل به.
وقد كان ابن أفلح الشاعر يكاتب رئيساً في زمن المسترشد فعلم بذلك بوابه، واتفق أنه صرف بوابه فنم عليه ونقضت داره.
فهذه المذكرات أمثلة تبنه على ما لم يذكر.
وأهم الكل أن يحترز بأخذ العدة وتحقيق التوبة قبل أن يهجم ما لا يؤمن هجومه. وليحذر من لص الكسل، فإنه محتال على سرقة الزمان.
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) }
(فصل عليك من العمل ما تطيق)
ينبغي للعاقل أن لا يقدم على العزائم حتى يزن نفسه هل يطيقها؟ ويجرب نفسه في ركوب بعضها سراً من الخلق فإنه لا يأمن أن يرى في حالة لا يصبر عليها، ثم يعود فيفتضح.