2 -ثم أكد الله تعالى هذا الأمر بالتحذير من مخاوف القيامة وأهوالها، ومن شدة الحساب والجزاء، فذكر أنه سيجمع يوم القيامة جميع أهل السموات وأهل الأرض، فهو يوم الجمع والحشر، ويوم التغابن، لأن الكافرين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، واشتروا الضلالة بالهدى، فما ربحت تجارتهم، وأما المؤمنون فقد دلهم ربهم على التجارة الرابحة وهي الإيمان والجهاد، فباعوا أنفسهم بالجنة، فخسرت صفقة الكفار، وربحت صفقة المؤمنين. فيكون المعنى: ذلك يوم
التغابن الجائز مطلقا. قال مقاتل بن حيان: لا غبن أعظم من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة، ويذهب بأولئك إلى النار.
3 -قال ابن العربي: استدل علماؤنا بقوله تعالى: ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ على أنه لا يجوز الغبن في المعاملة الدنيوية، لأن الله تعالى خصص التغابن بيوم القيامة، فقال: ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وهذا الاختصاص يفيد أنه لا غبن في الدنيا، فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود، إذا زاد على الثلث. وهو الغبن الفاحش، وهو من الخداع المحرّم شرعا في كل ملة.
أما الغبن اليسير: فلا يمكن الاحتراز منه لأحد، فلا ينقض به البيع، إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبدا، لأنه لا يخلو منه، حتى إذا كان كثيرا أمكن الاحتراز منه، فوجب الرد به.
والفرق بين القليل والكثير: هو الثلث، وقدّر علماؤنا الثلث بهذا الحد، إذ رأوه في الوصية وغيرها.
4 -إن جزاء المؤمنين: دخول الجنات التي تجري من تحت قصورها الأنهار، مع الخلود الأبدي فيها، وهو الفوز الساحق الذي لا فوز بعده، لاشتماله على النجاة من المخاطر والأهوال.
5 -إن جزاء الكافرين بالله وبالقرآن: دخول النيران، مع الخلود فيها على الدوام، وبئس المصير نار جهنم.
وهذا الجزاء المقرر للفريقين هو تفسير التغابن المذكور آنفا. انتهى انتهى {التفسير المنير، للزحيلي. 28/} ...