فثبت أنه إنما أخبرهم بذلك بأن الله - عز وجل - قد أنزل ذكره وصفته في كتبهم على أنبيائهم لاستبانة إن ذلك حق، ولم يكن هذا اليقين يقع له إلا أن يكون صادقاً في أن الله تعالى يرسل إليه الملك بما يشاء من أمره، ويطلعه على الغيب الذي يريد إطلاعه فصح ووضح أنه كان رسول الله حقاً فوجب تصديقه عن مخبراته والبعث بعد الموت وإن المرسل المتقدمين أخبروا قومهم به جملتها، فلزم تصديقه وبالله التوفيق.
وأيضاً فإن خبر المعاد لم يزل فاشياً في الملتين وغيرهم من الأوائل المتقدمين، وقد ذكر سقراط أن الذين يمضون إلى الآخرة، وقد أفنوا أعمارهم بالطهارة وسبيل القصد، فإن الملك يقودهم إلى الأرض مشرقة عجيبة، وما نبتت فيها من الأنوار والأشجار بخلاف هذه، إذا كانت التربة والأحجار خلاف لتلك الأحجار، ملس متسقة، حسنة الألوان كأنصاف اليواقيت والزبرجد، وليس فيها بأكل ولا فساد، ولا في تربتها عفونة، وجميع ما تم من الحيوان ومن النبات بخلاف هذا كله.
وتلك الأرض مزينة بالذهب والفضة، وليس لألئك مرض، وحواسهم بخلاف حواسنا، وأذهانهم بخلاف أذهاننا ومفهومنا، وثم لهم ملائكة يكتبون، ووحي وآثار سيئة ومعارضات عجيبة، وإن الذين عظمت ذنوبهم وجناياتهم، ونزلوا واجبات الشريعة فإنهم يحملون إلى نهر يلتهب بنار عظيمة، ويغلي بماء وطين، فيكونون فيها أبداً، لا يخرجون عنها، وأما الذين برزوا في حسن السيرة وأنهم يصيرون إلى فوق إلى المسكن التقي فيسكنونه، ومن كان من هؤلاء قد آثر الحكمة ويبقى بها نقياً بالغاً، فإنهم يعيشون بالأبدان، ويصيرون إلى مساكن لا تسهل الدلالة عليها.
قال: فقد ينبغي لما قلت يجتهد الجهد كله حتى ينال في سيرتنا الفضيلة وللفوز في الذكاء والفهم.
وهذا الذي قاله سقراط من أن آثر الحكمة ويبقى بها ويعيش في الآخرة بلا بدن، يدل على أن عامة ما قدمه في غير هذه الطبقة من خير أو شر، فإنما أراد به أن ينال أبدانهم، فإنهم لو كانوا عنوة بلا أبدان لم يكن بينهم وبين المؤثرين للحكمة فرق.