فالجوا: - وبالله التوفيق - إن الله جل ثناؤه لم يحل أحداً من رسله من إنذار قومه على لسانه بالبعث بعد الموت والمحاسبة والجزاء بالجنة والنار، ونحن قد علمنا ذلك قبل أن يدعيه ولا يتوقف فيه، وهذا المعترض لا علم له بما قال، ولا يرجع فيه إلا إلى ظن مجرد، والظن لا يغني من الحق شيئاً.
وإنما قلنا هذا لأن نبينا صلوات الله عليه النائب إلى بالإعلام الكثيرة الباهرة صدقة كما أخبرنا بالبعث بعد الموت.
فلذلك قد أخبرنا عن الله تعالى ما أرجاه من ذلك إلى أبناء آدم صلوات الله عليه، وعن النبيين قبله صلوات الله عليهم، قبل موسى عليه السلام من الكتب قليلاً ولا كثيراً، ولا شاهداً عن الذين كانوا يدينون بالدين، ورجوا عليه أحداً أو أكثر مما يفزع إليه في تصحيح قوله: «إنه لم يجد في المعاد الذي يصفه ذكراً في التوراة، ولا عنه خبراً عند اليهود، فمن له بالتوراة حتى نحاكمه إليها» .
فإن الذي في أيديهم يدعون أنه التوراة فيها مغازي موسى عليه السلام ووفاته وحزن قومه عليه، وفيه من تعجيز الله وتكفيره وتشبيهه بخلقه، وتكفيره هارون، ورميه بإتخاذ العجل ما لا يمكن أن يكون منزلاً من عند الله تعالى.
فإن كان المعاد لا يوجد فيها فلا خير فإن الجناية في حد ما أنزل من عند الله وإسقاطه أيسر منها في التقول على الله وإضافة ما ليس في تنزيله إلى تنزيله، علماً أني سمعت عالماً من علمائهم يقول: إن الله تعالى يقول في التوراة لموسى أني رفعت القتل عن النافين من الذين إتخذوا العجل فأخرت أمرهم إلى قوم علمه عندي، فأخبرني أن ذكر البعث بعد الموت فيها كثير.
وإن يوشع بن نون عليه السلام يسأل الله تعالى أن يريه إحياء الموتى فأمره أن يذهب إلى واد سماه له، فيه ما لا يحصى من رميم الأموات، فأذن الله تعالى العظام المفنية من الأبدان المتفرقة أن تحيى، فكان كل عظم وكل مفصل يفقد منه مكانه، ويرجع إلى موضعه من بدن صاحبه إلى أن تتم جملته، وتستوى كما كانت حتى أراه الأبدان كلها ناشرة، ولم يذكر أنه أحياها.
إلا أن النكر للأحياء، منكر للإعادة، وقد ثبت وجود الخبر عنها.
ما نقلته اليهود عن يوشع، وثبت أيضاً عن يوشع سأل الله تعالى أرائه إحياء الموتى، فأجابه إلى ما يتقدم للأحياء من إعادة الأبدان، ولم يجبه إلى الأحياء لإلتقائه بما أراه، فإنه لم يكن يخفى عليه أن الأحياء بعد إعادة الأجساد، كيف تكون.