فالجواب: - وبالله التوفيق: أنه إذا كان لها هناك تعويض فتتعوض الحيوانات من لحومها ولحوماً غيرها، أشبه بأن ترد لحوماً إليها، ويعوض الناس منها غيرها، لأن ما نما من أبدان الناس بتلك اللحوم، فقد صار من جملة أبدان مكلفة أحسنت وأساءت، فصارت بذلك مستحقة الثواب والعقاب، فلا ينزع عنها، وتعاد إلى البهائم فيكون بدن الإنسان قد قلب بهيمة، وعوض منه عوضاً لاحظ له في طاعته ولا معصية، فيخرج من ذلك من أن يجزى أو بشر مع ما في ذلك من مخ المنجس في دار الجزاء، وإنما المسخ من سخط الله وعقوبته وخزيه، فكيف يجوز أن تكون عاقبة الذي آمن وعمل صالحاً إذا ورد يوم القيامة أن يمسخ؟
وأما البهائم فقد قيل: أنها تحشر لتعوض ما خلص إليها من ألم الذبح ومهانة السلخ والتمزيق والأكل عرضاً، ولا تحشر لمحاسبة ولا الجنة أو نار، فلا حظ لها في الحسنات والسيئات.
وإذا كان حشرها للتعويض، فهي إذا عوضت إتمام أبدانها وتصحيح أجسادها، والذت بذلك ونعمت فقد توفر على الحشر عوضه وبالله التوفيق.
قال قائ: لو كان البعث بعد الموت حقاً لما جاز أن يأمر الله العباد أو ينهاهم، ويكلفهم ضروباً من التكليف من لدن آدم إلى زمان عيسى، ولا يطلع أحد على ما هو فاعل بهم، ولا يدري أحد منهم أنه قد أعد للمطيعين داراً مشحونة بالنعمة والكرامة، وهي الجنة، وأعد للعصاة داراً تتأجج نارها مشحونة بالنقمة والعقوبة، ولو كان قد أعد لهم ذلك، وأطلع العباد عليه لوجب ذكره في كتب المتقدمين، والأمر بخلاف ذلك، لأن دعاء الأوليين إلى الله جل ثناؤه كنوح وإبراهيم وموسى ما أخبر أحد منهم قومه بأن لهم معاداً يحاسبون فيها ويجزون بأعمالهم.
وإنما كانت مواعيدهم كلها عاجلة كما قال نوح لقومه: {اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً} .
وقال هود أيضاً لقومه: {اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} .
فإذا تصفحت التوراة لم تجد فيها للمعاد ذكراً ولا عن الجنة خبراً.
وإنما هو وعد الخصب والصحة والظفر على الأعداء وما يشبهها على المعصية، وما ذكر أحد قبل عيسى معاداً.