فالجواب: - وبالله التوفيق ـ: إن الجزاء بكل واحد من الحسنى والسوء على ضربين: فأما آية جزاء السوء فجزاء الانتقام، وهو الجزاء المطلق.
والآخر جزاء الدفع والرجس وليس هذا جزاء بالإطلاق.
وأما أحد جزاء الحسنى فالتفويض من الطاعة والصبر عليها ومقاسات الشدة.
وهذا هو الجزاء المطلق.
والآخر جزاء البشرى ويراد به الترغيب والتحريض، كما يراد بالذي قبله الردع والترهيب.
فأما جزاء السيئة فما يكون كفء لها، وهو جزاء الانتقام.
وجزاء الحسنة إنما يكون كفء العبودية والطاعة، وليس شيء منه بموجود في هذه الدار.
وأما جزاء الردع والزجر وجزاء الحرض والترغيب فهو الموجود.
وفي هذه وهذا ليس بجزاء مطلق، لأن الترغيب من توابع الأمر ولواحقه.
والترهيب من توابع النهي ولواحقه.
فإذا لم يصح أن يكون الأمر نفسه جزاء، فيقف معنى الجزاء فيما يراد به البعث على فعل المأمور به، وإذا لم يصلح أن يكون النهي حسن الضعيف، معنى الجزاء فيما يراد به البعث على ترك السعي عنه واحد هذين الجزاءين، إذاً بما يؤدي إليه الإضراب من العذاب والآخر مبشراً لما يوجبه الدوام من الثواب، وليس هذا الجزء بنفسه مطلقاً لكن غير ضرب التقييد، ومن وجه دون وجه.
فيقال للإحسان الذي هو الترغيب جزاء أنه لم يكن مبتدأ، وإنما وقع في مقابلة حين تقدم من المحسن إليه، فكانت صورته صورة الجزاء.
ويقال للإساءة التي هي الترهيب جزاء بمعنى أنها لم تكن مبتدأ، ولكنها وقعت في مقابلة شر يسبق من السماء إليه، فكانت صورتها صورة الجزاء، وكل ما عده هذا القائل فقال فيها الآيات، وروى فيها الأخبار فهو فيما وصفنا، أنه للعصاة وردع وتقويم وترهيب، ومنع لهم عن الأضرار، وللمطيعين حرض وترغيب وبعث على البيان والدوام، فلذلك كان موضعه هذه الدار، وذلك أنها دار العمل والترغيب والترغيب فيما يحسن وبها يليق.
وأما ما في باب الإحسان من قوله - عز وجل - في قصة إبراهيم عليه السلام: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} .
فإنما هو إشارة للبشرى والترغيب، لأن الله - عز وجل - لما ركب فيها العقل الذي يتوصل به إلى معرفته ليستدل به بمعرفته وحده.