إِحْدَاهُمَا أَنْ يُصَدِّقَ بِقَلْبِهِ ثُمَّ يُخْتَرَمَ قَبْلَ اتِّسَاعِ وَقْتٍ لِلشَّهَادَةِ بِلِسَانِهِ .. فَاخْتُلِفَ فِيهِ.
فَشَرَطَ بَعْضُهُمْ مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ الْقَوْلَ وَالشَّهَادَةَ بِهِ.
وَرَآهُ بَعْضُهُمْ مُؤْمِنًا مُسْتَوْجِبًا لِلْجَنَّةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ» فَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى مَا فِي الْقَلْبِ .. وَهَذَا مُؤْمِنٌ بِقَلْبِهِ غَيْرُ عَاصٍ وَلَا مُفَرِّطٍ بِتَرْكِ غَيْرِهِ .. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْوَجْهِ.
-الثَّانِيَةُ أَنْ يُصَدِّقَ بِقَلْبِهِ وَيُطَوِّلَ مَهَلَهُ، وَعَلِمَ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الشَّهَادَةِ فَلَمْ يَنْطِقْ بِهَا جُمْلَةً، وَلَا اسْتَشْهَدَ فِي عُمُرِهِ وَلَا مَرَّةً، فَهَذَا اخْتُلِفَ فِيهِ أَيْضًا.
-فَقِيلَ هُوَ مُؤْمِنٌ، لِأَنَّهُ مُصَدِّقٌ .. وَالشَّهَادَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ فهو عاص بتركها غير مخلد. وَقِيلَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ حَتَّى يُقَارِنَ عَقْدُهُ شَهَادَةَ اللِّسَانِ، إِذِ الشَّهَادَةُ إِنْشَاءُ عَقْدٍ، وَالْتِزَامُ إِيمَانٍ.
وَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ مَعَ الْعَقْدِ، وَلَا يَتِمُّ التَّصْدِيقُ مَعَ الْمُهْلَةِ إِلَّا بِهَا ..
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَهَذَا نَبْذٌ يُفْضِي إِلَى مُتَّسَعٍ مِنَ الْكَلَامِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَأَبْوَابِهِمَا .. وَفِي الزِّيَادَةِ فِيهِمَا وَالنُّقْصَانِ ..
وَهَلِ التَّجَزِّي مُمْتَنِعٌ عَلَى مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ لا يصح فيه جملة، إنما يَرْجِعُ إِلَى مَا زَادَ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلٍ؟!! أَوْ قَدْ يُعْرَضُ فِيهِ لِاخْتِلَافِ صِفَاتِهِ وَتَبَايُنِ حَالَاتِهِ، مِنْ قُوَّةِ يَقِينٍ، وَتَصْمِيمِ اعْتِقَادٍ، وَوُضُوحِ مَعْرِفَةٍ. وَدَوَامِ حَالَةٍ، وَحُضُورِ قَلْبٍ ..
وَفِي بَسْطِ هذا خُرُوجٌ عَنْ غَرَضِ التَّأْلِيفِ وَفِيمَا ذَكَرْنَا غُنْيَةٌ فيما قصدنا إن شاء الله تعالى. انتهى انتهى {الشفا، للقاضي عياض} ...