وَقَدْ زَادَهُ وُضُوحًا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ إِذْ قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ .. فَقَالَ (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ .. وَذَكَرَ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ الْحَدِيثَ.
فَقَدْ قَرَّرَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِهِ مُحْتَاجٌ إِلَى الْعَقْدِ بِالْجَنَانِ ..
وَالْإِسْلَامَ بِهِ مُضْطَرٌّ إِلَى النطق باللسان .. وهذه الحالة الْمَحْمُودَةُ التَّامَّةُ .. وَأَمَّا الْحَالُ الْمَذْمُومَةُ، فَالشَّهَادَةُ بِاللِّسَانِ دُونَ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ .. وَهَذَا هُوَ النِّفَاقُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ .. وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ» .. أَيْ كَاذِبُونَ فِي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ عَنِ اعْتِقَادِهِمْ وَتَصْدِيقِهِمْ وَهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَهُ .. فَلَمَّا لَمْ تُصَدِّقْ ذَلِكَ ضَمَائِرُهُمْ لَمْ يَنْفَعْهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَخَرَجُوا عَنِ اسْمِ الْإِيمَانِ .. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ حُكْمُهُ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ (إِيمَانٌ) .. وَلَحِقُوا بِالْكَافِرِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ .. وَبَقِيَ عَلَيْهِمْ حكم الإسلام بإظهار شهادة اللسان فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَئِمَّةِ وَحُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ، الَّذِينَ أَحْكَامُهُمْ عَلَى الظَّوَاهِرِ بِمَا أَظْهَرُوهُ مِنْ عَلَامَةِ الْإِسْلَامِ .. إِذْ لَمْ يُجْعَلْ لِلْبَشَرِ سَبِيلٌ إِلَى السَّرَائِرِ .. وَلَا أُمِرُوا بِالْبَحْثِ عَنْهَا .. بَلْ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ التَّحَكُّمِ عَلَيْهَا، وَذَمَّ ذَلِكَ وَقَالَ: «هَلَّا»
شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ» وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَقْدِ مَا جُعِلَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ الشَّهَادَةُ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَالتَّصْدِيقُ مِنَ الْإِيمَانِ .. وَبَقِيَتْ حَالَتَانِ أُخْرَيَانِ بَيْنَ هَذَيْنِ ..