ثم قال هاهنا: (نَشْهَدُ) ولم يقل (نشهد بالله) ؛ لأن المعنى من هذا الحلفُ، والحلف من المؤمنين في المتعارف إنما يكون باللَّه تعالى؛ فلذلك أجزئ بقوله: (نَشْهَدُ) وعن قوله: (بالله) فيكون هذا دليلا لقول أصحابنا: إن قوله: (نَشْهَدُ) يكون يمينا حيث ذكر هاهنا بطريق القسم، والمعنى ما أشير إليه، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ...(2)
له تأويلان:
أحدهما: (فَصَدُّوا) . أي: أعرضوا بأنفسهم عن طاعة اللَّه والإيمان برسوله.
والثاني: أن صدوا الضعفة عن اتباع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، وعن الإيمان.
وقوله: (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
أي: بئس ما كانوا يعملون من الإعراض عن الآيات والحجج، وحيث آثروا الكفر على الإيمان.
ويحتمل: بئس ما كانوا يصنعون من صد الضعفة والأتباع عن الإيمان برسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - .
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ(3)
له تأويلان:
أحدهما: ذلك بأنهم آمنوا بلسانهم ثم كفروا بقلوبهم.
والثاني: على حقيقة الإيمان والكفر، وذلك أنهم لما رأوا قلة المسلمين وضعفهم في أنفسهم يوم بدر، ثم رأوهم مع هذه القلة والضعف غلبوا على الكفار مع كثرتهم - آمنوا برسول اللَّه ورأوا أنهم لا يغلبون أبدًا، ثم إن المسلمين لما غلبوا يوم أحد وأصابهم الكفار، اضطربوا في إيمانهم وشكوا وكفروا؛ وذلك بمعنى قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ) ، فكذلك تأويل قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا) .
وقوله: (ذَلِكَ) إشارة إلى أن السبب الذي تولد منه نفاقهم وحلفهم.
وقولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) هو أنهم آمنوا ثم كفروا.