فأخبر تعالى أن المنافقين لكاذبون فيما يشهدون بالإيمان في قلوبهم، ويعلم أن يكون المعنى من قوله: (نَشْهَدُ) . أي: نعلم برسالتك في قلوبنا، واللَّه يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما أخبروا أنهم يعلمون رسالته في قلوبهم، وقد كان ألزمهم برسالته من جهة الآيات والحجج، ولكن تعاموا عن ذلك العلم استخفافا منهم وتعنتا؛ فصار ذلك العلم كالجهل الحقيقي، ثم أخبروا هم عن أنفسهم وضمائرهم أنهم يعلمون، وأخبر اللَّه أنهم لكاذبون أنهم يعلمون برسالته، واللَّه أعلم.
ثم الواجب أن يعلم ما الذي أحوجهم إلى أن قالوا: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) ، وقد كان كثير من المؤمنين يلقون رسول اللَّه ولا يقولون ذلك، فكيف قال المنافقون ذلك؟! فمعناه عندنا - واللَّه أعلم -: أنهم حيث اعتادوا مخادعة اللَّه ورسوله امتحنهم اللَّه تعالى بهذه المقالة. ويحتمل أن يكونوا جروا على عادتهم أنهم إذا لقوا المسلمين قالوا: بمثل ما آمنتم، وإذا لقوا المشركين قالوا: (إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) ، فإذا لقوا رسول اللَّه قالوا: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) على عادتهم في كل جنس بما يليق به وبمذهبه، واللَّه أعلم.
ويجوز أن يكونوا يخافون أن قد بلغ رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - خلافهم وتكذيبهم؛ فكانوا إذا لقوه قالوا: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) ، اعتذارا عن ذلك الخلاف لو بلغه؛ ألا ترى إلى قوله: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) وكانوا يحسبون من سوء ما يضمرون في قلوبهم من النفاق أن كل من كلم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فإنما كلمه بسببهم، فكذلك الأول، واللَّه أعلم.