فكل ذلك من نقض الميثاق ، والغدر في الصلح ، وسفك الدماء ، والتظاهر بالإثم والعدوان ، والإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه ، كان خاصاً باليهود ، فكانت العلة مركبة من المشاقة. ومن هذه الصفات التي اختصوا بها ، وكان الحكم صريحاً هنا بقوله عنهم: {ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85] وكان خزيهم في الدنيا: هو ما وقع بهم من إخراج وتخريب وتقتيل.
وإن من كانت هذه حاله كما تقدم ، لم يكن لهم الاستئصال الكلي بإخراجهم أو تقتيلهم ، فلم يعد يصلح فيهم استصلاح ولا يتوقع منهم صلاح ، وكفي شاهداً على ذلك أن بني قريظة لم يتعظوا ، ولم يستفيدوا ولم يعتبروا كما أمرهم الله: {فاعتبروا ياأولي الأبصار} [الحشر: 2] .
ما اتعظ بنو قريظة بما وقع بإخوانهم بني النضير ، فلجؤوا بعد عام واحد إلى ما وقع فيه بنو النضير من غدر وخيانة ، فكان اختصاص اليهود بالحكم لتلك العلة المشتركة ، لأنهم - وإن شاركهم غيرهم في المشاقة - فلم يشاركهم غيرهم في الجانب الآخر مما قدمنا من دوافع المشاقة.
وللدوافع تأثير في الحكم ، كما في قصة آدم وإبليس. فقد اشترك آدم وإبليس في عموم علة العصيان ، إذ نهي آدم عن قربان الشجرة ، وأمر إبليس بالسجود لآدم مع الملائكة ، فأكل آدم مما نُهِي عنه ، وامتنع إبليس عما أمر به فاشتركا في العصيان كما قال تعالى عن آدم: