فقد نص رحمه الله على أن آية: {فاعفوا واصفحوا حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ} مرتبطة بآية: {فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} هذه كما قدمنا: أن هذا هو الأمر الموعود به ، وقد أتاهم به من حيث لم يحتسبوا ، ويشهد لهذا كله القراءة الثانية فآتاهم بالمد: بمعنى أعطاهم وأنزل بهم ، ويكون الفعل متعدياً والمفعول محذوف دل عليه قوله {مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ} أي أنزل بهم عقوبة وذلة ومهانة جاءتهم من حيث لم يحتسبوا والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب} .
منطوقه أن الرعب سبب من أسباب هزيمة اليود ، ومفهوم المحالفة يدل على أن العكس بالعكس ، أي أن الطمأنينة وهي ضد الرعب ، سبب من أسباب النصر ، وهو ضد الهزيمة.
وقد جاء ذلك المفهوم مصرحاً به في آيات من كتاب الله تعالى ، منها قوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح: 18] ، ومنها قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنَزلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ وذلك جَزَآءُ الكافرين} [التوبة: 25 - 26] ، فقد ولوا مدبرين بالهزيمة ، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ، وأنزلَ جنوداً من الملائكة فكان النَّصر لهم ، وهزيمة أعدائهم المشار إليها بقوله تعالى: {وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ} أي بالقتل والسبي في ذلك اليوم.