كل هذا إيذاء بالقول ، لكن ينبغي أنْ ننظر فيه: أهو كذب وبهتان؟ أم قول صادق يقوم عليه دليل؟ وقد يُؤذيك شخص بكلمة ، لكنك لا تُؤذَي منها ، وفي هذه الحالة يأخذ هو إثمها ، وتسْلَم أنت من شرها وتسلم من ألمها . . فهذه الأقوال منهم في الواقع فيها إيذاء ، لكن ليس لله تعالى ، إنما إيذاء لهم ، كيف؟
الحق - سبحانه وتعالى - حينما استخلف الإنسان في الأرض خلق له الكون قبل أنْ يخلقه فطرأ الإنسان على كون مُعَدٍّ لاستقباله ، فيه مُقوِّمات بقاء الحياة ، ومُقوِّمات بقاء النوع ، ثم أعدَّ له أيضاً قانون صيانته ، بحيث إنْ أصابه عطب استطاع أنْ يصلحه ، هذا القانون هو منهجه سبحانه المحفوظ في كتابه ، واقرأ قول الحق سبحانه: {الرحمن * عَلَّمَ القرآن * خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان} [الرحمن: 1 - 4] .
فقانون الصيانة في القرآن موجود قبل أنْ يخلق الإنسانَ ؛ لأن الإنسان خَلْق الله وصَنْعته خلقه الله في أحسن تقويم ، وعلى أحسن هيئة ، ويريد له أنْ يظل هكذا سويَّ التكوين في كل شيء ، فإذا ما خرج هذا الخليفة المخلوق لله على قانون صيانته ، فإنه ولا شكَّ لا بُدَّ أنْ يغضب الله ، لأن الله يريد أنْ تظلَّ صنعته جميلة ، كما أبدعها سبحانه .
إذن: فالذين أنكروا وجود الله ، أو الذين أشركوا به ، والذين قالوا:"إن الله فقير ونحن أغنياء"أو قالوا: الملائكة بنات الله . . إلخ هذه الأقوال التي ترتب عليها غضب الحق سبحانه ؛ لأنه خليفته في الأرض لم يُؤَدِّ المطلوب منه على حَسْب منهج الله .
ونقول لهؤلاء: إياكم أنْ تظنوا أنكم بكفركم خرجتم من قبضة الحق سبحانه ، بل أنتم في قبضته ، وتحت مشيئته ، ولو شاء سبحانه لقهركم على طاعته ، أو خلقكم على هيئة الصلاح لا تأتي منكم المعصية كما خلق الملائكة ، إنما جعلكم مختارين فيما كلفكم به ، مَنْ شاء آمن ، ومَنْ شاء كفر ، ليعلم مَنْ يقبل عليه بحب لا بقهر .