والدليل على ذلك أنكم مخلوقون ، على هيئتين . هيئة لكم فيها اختيار وهي التكاليف ، وهيئة مقبوضين في قبضة الحق سبحانه وهي القضاء ، فما دمتم تعودتم التمرد على التكاليف ، فلماذا لا تتمرَّدُون على أقدار الله فيكم ، كالمرض والموت مثلاً؟
ومع ذلك ما دُمْتَ قد اخترْتَ الكفر وأنا رَب ، ومطلوب مني أنْ أعينك على ما تحب ، فسوف أختم على قلبك ، بحيث لا يدخله الإيمان ، ولا يخرج منه الكفر الذي تحبه . إذن: أنا جئت على مرادك مما يدل على أن كفرك بي لا يضرني ولا يؤذيني .
وقد ورد في الحديث القدسي: (يا عبادي ، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ، ولن تبلغوا ضُرِّي فتضروني) .
وإنْ كانت لكم منطقة اختيار في الدنيا هي أمور التكاليف ، فسيأتي يوم القيامة ، ويمتنع الاختيار كله ، فلا اختيارَ لأحد في شيء يوم يقول الحق سبحانه {لِّمَنِ الملك اليوم ...} [غافر: 16] فلا يجيب أحد ، لا مالك ولا مملوك ، فيجيب الحق سبحانه على ذاته: {لِلَّهِ الواحد القهار} [غافر: 16] .
هذا في معنى إيذاء الله تعالى ، أما الإيذاء في حقِّ سيدنا رسول الله ، فرسول الله بشر ، يمكن أنْ يصيبه الإيذاء بالفعل والإيذاء بالقول ، فكما قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء قالوا عن رسول الله: كاهن وساحر ومجنون وشاعر ، ثم تعدَّى الإيذاء إلى الفعل الذي أصاب رسول الله وآلمه بالفعل .
ألم يُرْمَ بالحجارة حتى دَمِيتْ قدماه في الطائف؟ ألم يضعوا على ظهره الشريف سَلاَ البعير في مكة - أي سَقَط البعير - ألم تكسَر رباعيته يوم أحد ويُشَجُّ ويسيل دمه صلى الله عليه وسلم ؟
فرسول الله ناله مع ربه - عز وجل - إيذاء بالقول ، ثم ناله إيذاء آخر بالفعل ، إيذاء بشرى فيه إيلام ، وقمة الإيذاء بالفعل ما يتعرَّض لأمر محارمه وأزواجه صلى الله عليه وسلم .