أشارت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {فإذا طعمتم فانتشروا} إلى أن الطعام الذي يقدم للضيف لا يكون على وجه التمليك ، وإنما هو على وجه الإباحة ، فلو أراد الضيف أن يحمل معه الطعام إلى بيته لا يجوز له ذلك لأن المضيف إنما أباح له الأكل فقط دون التملك له أو أخذه أو إعطائه لأحد .
قال العلامة القرطبي:"في هذه الآية دليل على أن الضيف يأكل على ملك المضيف ، لا على ملك نفسه لأنه تعالى قال: {فإذا طعمتم فانتشروا} فلم يجعل له أكثر من الأكل ، ولا أضاف إليه سواه ، وبقي الملك على أصله".
الحكم الخامس: هل زال النكاح عن أمهات المؤمنين بموت النبي صلى الله عليه وسلم ؟
قال القرطبي: ف يتفسيره"الجامع لأحكام القرآن": اختلف العلماء في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ، هل بقين أزواجا أم زال النكاح بالموت ، وإذا زال النكاح بالموت فهل عليهن عدة أم لا؟
فقيل: عليهن العدة ، لأنه توفي عنهن ، والعدة عبادة .
وقيل: لا عدة عليهن ، لأنها مدة تربص لا ينتظر بها الإباحة .
قال: والقول الثاني هو الصحيح لقوله عليه السلام:"ما تركت بعد نفقة عيالي"وروي (أهلي) وهذا اسم خاص بالزوجية ، فأبقى عليهن النفقة والسكنى مدة حياتهن لكونهن نساءه ، وحرمن على غيره ، وهذا هو معنى بقاء النكاح . وإنما جعل الموت في حقه عليه السلام بمنزلة المغيب في حق غيره ، لكونهن أزواجا له في الآخرة قطعا ، بخلاف سائر الناس ، لأن الرجل لا يعلم كونه مع أهله في دار واحدة ، فربما كان أحدهما في الجنة ، والآخر في النار ، فبهذا انقطع السبب في حق الخلق ، وبقي في حق النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه السلام:"كل سبب ونسب ينقطع ، إلا سببي ونسبي فإنه باق إلى يوم القيامة".