اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {ولا مستأنسين لحديث} فيه إشارة لطيفة أن المكث بعد الطعام غير مرغوب فيه على الإطلاق ، فالأمر أمر وليمة وقد انتهت ، ولم يبق إلا أن يفرغ أهل البيت لبعض شأنهم ، والبقاء بعد ذلك فيه نوع من الأثقال غير محمود .
قال بعض العلماء: هذه الآية نزلت في الثقلاء ، وقرأها بعضهم فقال:"هذا أدب من الله تعالى أدب به الثقلاء"ويروى عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهما:"حسبك في الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم".
وأنشد بعض الفضلاء:
وثقيل أشد من ثقل المو ... ت ومن شدة العذاب الأليم
لو عصت ربها الجحيم لما كا ... ن سواه عقوبة للجحيم
وقال آخر:
ربما يثقل الجليس ولو كا ... ن خفيفا في كفة الميزان
ولقد قلت حين وتد في البي ... ت ثقيل أربى على سهلان
كيف لم تحمل الأمانة أرض ... حملت فوقها أبا سفيان؟!
اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق} الاستحياء لا يكون من الذات ، وإنما يكون من الأفعال ، بدليل قوله تعالى: {والله لا يستحيي من الحق} ولم يقل: والله لا يستحيي منكم والكلام فيه حذف تقديره: فيستحيي من إخراجكم أو من أمركم بالانصراف والله لا يستحيي من بيان الحق ، وأطلق استحياء الله وأراد منه عدم السكوت عن بيانه ، فسمي السكوت عليه استحياء على (طريق المشاكلة) لوقوعه بجانب استحياء الرسول على حد قول القائل:
قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا
اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} فيه إشارة دقيقة إلى ما بين العين والقلب من صلة وثيقة ، فالعين طريق الهوى والنظرة بريد الشهوة ، فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب ، وكما قال بعض الأدباء:
وما الحب إلا نظرة إثر نظرة ... تزيد نموا إن تزده لجاجا
فالقلب عند عدم الرؤية أطهر ، وعدم الفتنة حينئذ أظهر .