والشرع لا يتدخل ، لا في الإدراك ، ولا في الوجدان ، إنما يتدخل في النزوع ، فَلَك أنْ ترى جمال الودرة كما تشاء ، ولك أنْ تشمَّ عبيرها ، لكن إن امتدَّتْ يدُكَ إليها قُلْنا لك: قف: أَهِي حَقٌّ لك؟ إنْ كانت حقك فَخُذْهَا ، وإلا فهي مُحرَّمة عليك لأنها ليَستْ مِلْكك ، وليس في هذا حَجْراً على حريتك ؛ لأن الذي قيَّد حريتك في الاعتداء على مال الغير قيَّد حرية الآخرين في الاعتداء عليك ، فأعطاك قبل أنْ يأخذ منك إذن: فالشرع في صالحك أنت .
نقول: الشرع لا يتدخل إلا عند مرحلة النزوع ، إلا في علاقة الرجل بالمرأة والنظر إلى جمالها ، فإنه يتدخل فيها من بدايتها ، فيحظر عليك مجرد الإدراك ، لأنك حين ترى جمال المرأة ، وربما كانت أجمل من أمرأتك أو لم يسبق لك الزواج ، فإنك تُعجب بها .
وهذا الإعجاب لا بُدَّ أنْ يدعوك إلى النزوع ، فكيف تنزع في هذه الحالة؟ والنزوع في هذه المسألة له شروط: أولها أنْ تأتيه من باب الحلال ، فإنْ لم تكُنْ قادراً على باب الحلال ، فإما أنْ تعفَّ نفسك ، وإما أنْ تعربد في أعراض الآخرين ، لذلك تدخَّل الشرع في هذه المسألة من أولها ، ولم يتركك حتى تقع في المحظور وتنزع فيما لا يحلُّ لك ؛ لأن المرأة الجميلة لا شكَّ تهيج في الرجل معاني خاصة .
وفي ذلك يقول الشاعر:
سُبْحانَ مَنْ خَلَق الجَماَ ... لَ والانْهِزَام لِسَطْوتِهِ
وَلَذَاكَ يأمْرنَا بغَضِّ الطَّرْف عنه لَرحمتِهِ ... من شاء يطْلبه فلا ... إلاّ بطُهْر شريعتِه
وبذَا يدُوم له التمتُّع ... هَأهُنَا وبجنَّتِهِ