لأن الإنسان يعيش طوال وقته للدنيا ، فلا يجوز أن يأخذها معه حتى في وقت الصلاة ، فوقت الصلاة للقاء الله ، وهذا الوقت لا يعطل حركة حياتك ، إنما يعطيك شحنة إيمانية تُقوِّيك على متابعة حركة حياتك ، وسبق أن قلنا: إن هذه الشحنة أشبه بشحنة البطارية ، فهل يقال لمن أخذ البطارية ليشحنها أنه عطَّل البطارية؟
كذلك أنت صَنْعة الله وخِلْقته ، وما بالك بصنعة تُعرض على صانعها كل يوم خمس مرات ، أيصيبها عطب بعد ذلك؟ وكذلك أنت حين تعرض نفسك على ربك ، تأخذ من هذا اللقاء شحنة إيمان ويقين ، وتتخلَّص من همومك ومشاكلك .
لذلك كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما حَزَبَه أمر فزع إلى الصلاة ، ففي الصلاة ترمي بنفسك وترمي بهمومك ومشاكلك في (أحضان) ربك ؛ لأنه سبحانه أعطى الكون أسباباً ، فإذا عزَّتْ عليك الأسباب ولم تُفِدْكَ بشيء فاترُكْ الأسباب ، والجأ إلى المسبِّب سبحانه .
وقلنا: إن المسجد بيت الله باختيار الخَلْق ، أما بيت الله الحرام فهو بيت الله باختيار الله ؛ لذلك جعله الله قِبْلة كل البيوت ، فإذا ما زُرْته ولو مرة واحدة أصلح حياتك كلها .
نعود إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم وما ينبغي أنْ يتحلى به المؤمنون من أدب في دخولها ، وما يجب أنْ يُراعَي في دخول هذه البيوت بالذات ؛ لأن لها طبيعة خاصة تناسب مهمة صاحبها صلى الله عليه وسلم .
{يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ...} [الأحزاب: 53] يعني: لا تتهجَّموا عليها ؛ لأنها ضيِّقة وليستْ فيها سعة للاستقبال في كل الأوقات ، والإذن هنا مُقيَّد بالطعام {إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ ...} [الأحزاب: 53] .