وحتى إذا دُعِيتَ إلى طعام رسول الله لا تذهبْ إليه قبل وقته ، فإذا كان الغداء مثلاً الساعة الثانية ، فلا تذهب أنت الساعة العاشرة ؛ لأنه لا يليق أن تشغل رسول الله وله في بيته مهمات يجب ألاّ ينشغلَ عنها ، مهام مع ربه ، ومهام مع أهل بيته ، وهذا معنى: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ...} [الأحزاب: 53] أي: نضج الطعام واستوائه وإعداده ، والفعل (إِنَي) على وزن رضا ، وفي لغة: إني أني مثل: رمي رمياً .
وهنا تحذير للمؤمنين إذا دُعُوا إلى طعام رسول الله أنْ يدخلوا بيوته ينتظرون نُضْج الطعام ، إنما عليهم ألاَّ يدخلوا إلا بعد نُضْج الطعام وإعداده ، بحيث يقول لهم تفضلوا الطعام {وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا ...} [الأحزاب: 53] فالطعام جاهز ومُعَدٌّ {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا ...} [الأحزاب: 53] فكما نهاهم في أوَّليّة الطعام عن انتظار نُضْجه ، كذلك نهاهم في آخريته عن عدم الجلوس بعده ، إنما ينبغي عليهم إذا أكلوا أنْ ينتشروا .
والانتشار: أنْ يأخذ الشيء حيِّزاً أوسع من حجمه ، والانتشار يُعينك على تحقيق الغاية ، ألسْنَا ننشر الملابس بعد غَسلْها؟ لماذا؟ لأن نَشْر الغسيل يساعد على جفافه ، ولو تركْتَه في حيِّزه الضيق لاحتاج أسبوعاً لكي يجفَّ ، إذن: في الانتشار فائدة .
وسبق أنْ أوضحنا هذه الظاهرة بكوب الماء إذا تركْتَه مثلاً وسافرتَ لمدة شهر ، فإنك ستعُود فتجده كما هو لم ينقص إلا القليل ، لكن إنْ سكبْتَه في أرض الحجرة فسوف يجفّ قبل أنْ تخرج منها .
فقوله تعالى هنا {فادخلوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا ...} [الأحزاب: 53] أي تفرَّقوا ؛ لأن المكان الذي أنتم فيه في بيت النبي ضيِّق ، إذن: ليذهب كُلٌّ إلى عمله ، وماذا يُراد من المؤمن بعد أنْ تناول طعامه؟ أنْ يسعى في مناكب الأرض ، لا أنْ يجلس خاملاً عَالةً على غيره ، وتأمل أيضاً قول الله تعالى في سورة الجمعة: