وهذا الرأي ذهب إليه الجمهور من الصحابة والتابعين وقد عد البخاري منهم أربعة وعشرين في باب (لا طلاق قبل النكاح) وهو منقول عن (ابن عباس) رحمه الله ، فقد روي أنه سئل عن ذلك أي (عن الطلاق المعلق) فقال: هو ليس بشيء . فقيل له إن (ابن مسعود) يخالفك يقول: إذا طلق ما لم ينكح فهو جائز . فقال: رحم الله أبا عبد الرحمن ، لو كان كما قال لقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن) ولكن إنما قال {إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن} .
أدلة المالكية والحنفية:
واستدل الحنفية والمالكية بأن الطلاق يعتمد الملك ، أو الإضافة إلى الملك ، لكنه في حالة الإضافة إلى الملك يبقى معلقا حتى يحصل شرطه ، فإذا قال للأجنبية (إن تزوجتك فأنت طالق) كان هذا تعليقا صحيحا ، ولا يقع الطلاق به الآن إنما يقع بعد أن يتزوجها ، فهو مثل قوله: (إن دخلت الدار فأنت طالق) لا يقع الطلاق إلا بعد الدخول ، فكذا هنا لا يقع الطلاق إلا بعد أن يعقد عقد الزواج عليها ، فيكون الطلاق واقعا في الملك بالضرورة فكأنه أوقعه عليها حينذاك ، وقالوا: الفرق واضح بين تنجيز الطلاق على الأجنبية وبين تعليق طلاقها على النكاح فإن قول الرجل لامرأة أجنبية (هي طالق) كلام لغو ، لأنها ليست زوجته وقد طلق ما لم يملك فهو طلاق قبل النكاح لا يقع أصلا . أما قوله: (إن تزوجت فلانة فهي طالق) فهو معلق على الملك والفرق واضح بينهما . وهذا القول قال به جمع غفير من العلماء منهم (ابن مسعود) رضي الله عنه ودليله قوي وهو الأحوط كما نبه عليه (ابن العربي) والجصاص .
والخلاصة فإن الطلاق بعد النكاح يقع باتفاق الفقهاء ، والطلاق المنجز قبل النكاح لا يقع باتفاق ، والطلاق المعلق على النكاح يقع عند الحنفية والمالكية ولا يقع عند الشافعية والحنابلة ، ولكل وجهة هو موليها والله تعالى أعلم .