وتعقب بأن الجواب لا بد أن يخالف المجاب إما في الفعل والفاعل نحو ائتني أكرمك أو في الفعل نحو أسلم تدخل الجنة أو في الفاعل نحو قم أقم ولا يجوز أن يتوافقا فيه ، وأيضاً الأمر للمواجهة و {يَغُضُّواْ} غائب ومثله لا يجوز ، وقيل عليه: إنه لم لا يجوز أن يكون من قبيل"من كانت هجرته"الحديث ولا نسلم أنه لا يجاب الأمر بلفظ الغيبة إذا كان محكياً بالقول لجواز التلوين حنيئذ وفيه بحث ، ومن أنصف لا يرى هذا الوجه وجيهاً وهو على ما فيه خلاف الظاهر جداً ، وجوز الطبرسي.
وغيره أن يكون {يَغُضُّواْ} مجزوماً بلام أمر مقدرة لدلالة {قُلْ} أي قل لهم ليغضوا والجملة نصب على المفعولية للقول ، وغض البصر إطباق الجفن على الجفن ، و {مِنْ} قيل صلة وسيبويه يأبى ذلك في مثل هذا الكلام والجواز مذهب الأخفش ، وقال ابن عطية: يصح أن تكون من لبيان الجنس ويصح أن تكون لابتداء الغاية.
وتعقبه في البحر بأنه لم يتقدم مبهم لتكون من لبيان الجنس على أن الصحيح أنها ليس من موضوعاتها أن تكون لبيان الجنس انتهى ، والجل على أنها هنا تبعيضية ، والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل ، وجعل الغض عن بعض المبصر غض بعض البصر وفيه كما في الكشف كناية حسنة ، ثم أن غض البصر عما يحرم النظر إليه واجب ونظرة الفجأة التي لا تعمد فيها معفو عنها ، فقد أخرج أبو داود.
والترمذي.
وغيرهما عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة"وبدأ سبحانه بالإرشاد إلى غض البصر لما في ذلك من سد باب الشر فإن النظر باب إلى كثير من الشرور وهو بريد الزنا ورائد الفجور ، وقال بعضهم:
كل الحوادث مبداها من النظر...
ومعظم النار من مستصغر الشرر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها...
في أعين العين موقوف على الخطر
كم نظرة فعلت في قلب فاعلها...
فعل السهام بلا قوس ولا وتر