عَلِمْتَ أَنَّ الْجَوَارِحَ مِنْ جُمْلَةِ الشُّهُودِ, تَاللَّهِ إِنَّ حَوْضَ الْمَوْتِ عَنْ قَرِيبٍ مَوْرُودٍ, وَاللَّهِ مَا الزَّادُ فِي الطَّرِيقِ بِمَوْجُودٍ, وَاللَّهِ إِنَّ الْقِيَامَةَ تُشَيِّبُ الْمَوْلُودَ, وَاللَّهِ إِنَّ الْعُمْرَ مَحْبُوسٌ مَعْدُودٌ, وَالْوُجُوهُ غَدًا بَيْنَ بِيضٍ وَسُودٍ, إِلَى كَمْ هذا الصباح والمراح, أأبقى اليشب مَوْضِعًا لِلْمِزَاحِ, لَقَدْ أَغْنَى الصَّبَاحُ عَنِ الْمِصْبَاحِ, وقام حَرْبَ الْمَنُونِ مِنْ غَيْرِ سِلاحٍ, اعْوَجَّتِ الْقَنَاةُ بِلا قَنًا وَلا صِفَاحٍ, فَعَادَ ذُو الشَّيْبَةِ بالضعف ثخين الجرح, وَنَطَقَتْ أَلْسُنُ الْفَنَاءِ بِالْوَعْظِ الصِّرَاحِ, وَا أَسَفَا صُمَّتِ الْمَسَامِعُ وَالْمَوَاعِظُ فِصَاحٌ, لَقَدْ صَاحَ لِسَانُ التَّحْذِيرِ: يَا صَاحِ يَا صَاحِ, وَأَنَّى بِالْفَهْمِ لِسَكْرَانَ غَيْرِ صَاحٍ, أَسْكَرَكَ الْهَوَى سُكْرًا لا يزاح, أوَما تفيق حتى يقول الموت لا براخ, مَتَى يَظْهَرُ عَلَيْكَ سِيمَا الْمُتَّقِينَ, مَتَى تَتَرَقَّى إِلَى مَقَامِ السَّابِقِينَ, كَأَنَّكَ بِكَ تَذْكُرُ قَوْلِي وَقَدْ عَرِقَ الْجَبِينُ, وَخَابَتِ الآمَالُ وَعَبِثَتِ الشِّمَالُ بِالْيَمِينِ, وَبَرِقَ الْبَصَرُ وَجَاءَ الْحَقُّ الْيَقِينُ, وَلا يَنْفَعُ الانْتِبَاهُ حِينَئِذٍ يَا مِسْكِينُ, يَا مَنْ يُوعَظُ وَكَأَنَّهُ مَا يَسْمَعُ, يَا مَشْغُولا بِمَا يَفْنَى يَحْوِي وَيَجْمَعُ, يَا مَنْ شَابَ وَمَا تَابَ فِي أَيِّ شَيْءٍ تَطْمَعُ, يَا غَافِلا وَالْمَوْتُ عَلَى أَخْذِهِ قَدْ أَزْمَعَ, سَتَعْرِفُ يَوْمَ عَرْضِ الْكِتَابِ وَسُوءِ الْحِسَابِ عَيْنُ مَنْ تَدْمَعُ, أَتُرَاكَ يَوْمَ الرَّحِيلِ إِذَا ضَاقَ رَحْبُ السَّبِيلِ مَا تَصْنَعُ, أَتُرَاكَ بِمَاذَا تَتَّقِي هَوْلَ ذَاكَ الْمَصْرَعِ, عَجَبًا لَكَ تُؤْثِرُ مَا يَفْنَى وَتَعْلَمُ مَا يَبْقَى أَنْفَعُ, يَا مَنْ أَمَارَاتُ طَرْدِهِ مِنْ وَجْهِ صَدِّهِ تَلْمَعُ, لَقَدْ نَادَانَا لِسَانُ حَالِكَ بِدَوَامِ الْقَبِيحِ مِنْ أَفْعَالِكَ غَيْرَ أَنَّا فِيكَ نَطْمَعُ.
(كَمْ تَعْذِلُونَ وَعَذْلُكُمْ لا يَنْفَعُ ... ضَاعَ الْحَدِيثُ فَعَلِمُوا مَنْ يَسْمَعُ)