وإنما حدّ هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تَبِعة من ذلك في الآخرة ، وقد"قال صلى الله عليه وسلم في الحدود:"إنها كفارة لمن أقيمت عليه""
؛ كما في حديث عُبَادة بن الصامت.
ويحتمل أن يقال: إنما ترك حدّ ابن أبيّ استئلافاً لقومه واحتراماً لابنه ، وإطفاءً لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك ، وقد كان ظهر مبادئها من سعد بن عُبَادة ومن قومه ؛ كما في صحيح مسلم.
والله أعلم.
السابعة: قوله تعالى: {لولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} هذا عتاب من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين في ظنّهم حين قال أصحاب الإفك ما قالوا.
قال ابن زيد: ظن المؤمنون أن المؤمن لا يفجر بأمّه ؛ قاله المَهْدَوِيّ.
و"لولا"بمعنى هَلاّ.
وقيل: المعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمرَ على أنفسهم ؛ فإن كان ذلك يبعد فيهم فذلك في عائشة وصفوان أبعد.
وروي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب الأنصاريّ وامرأته ؛ وذلك أنه دخل عليها فقالت له: يا أبا أيوب ، أسمعتَ ما قيل! فقال: نعم! وذلك الكذب! أكنتِ أنت يا أم أيوب تفعلين ذلك! قالت: لا والله! قال: فعائشة والله أفضل منك ؛ قالت أم أيوب نعم.
فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله تعالى عليه المؤمنين إذ لم يفعله جميعهم.
الثامنة: قوله تعالى: {بِأَنْفُسِهِمْ} قال النحاس ؛ معنى"بأنفسهم"بإخوانهم.
فأوجب الله على المسلمين إذا سمعوا رجلاً يقذف أحداً أو يذكره بقبيح لا يعرفونه به أن ينكروا عليه ويكذبوه.
وتواعد من ترك ذلك ومن نقله.
قلت: ولأجل هذا قال العلماء: إن الآية أصل في أن درجة الإيمان التي حازها الإنسان ؛ ومنزلةَ الصلاح التي حلّها المؤمن ، ولُبْسة العفاف التي يستتر بها المسلم لا يزيلها عنه خبر محتمل وإن شاع ، إذا كان أصله فاسداً أو مجهولاً.