واختير لفظ اللعن على لفظ الغضب -وإن كانا مذكورين في الآية- لتقدمه فيهما ولأن جانب الرجل فيه أقوى من جانب المرأة؛ لأنه قادر على الابتداء باللعان دونها ولأنه قد ينكف لعانه عن لعانها ولا ينعكس، واختصت المرأة بالغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها، لأن الرجل إن كان كاذبًا لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبة؛ فذنبها أعظم لما فيه من تلويث الفراش، والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به، فتنتشر المحرمية وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقهما، وجُوِّز اللعان لحفظ الأنساب، ودفع المعرة عن الأزواج. وأجمع العلماء على صحته، وتخصيص الغضب بالمرأة للتغليظ عليها لكونها أصل الفجور ومادّته، ولأن النساء يكثرن اللعن في العادة، ومع استكثارهنّ منه لا يكون له في قلوبهنّ كبير موقع بخلاف الغضب.
الثالثة: هل اللعان طلاق أم فسخ؟
وفُرقة اللعان فسخ. وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: هي طلاق؛ لأنها فرقة من جهة الزوج تختص النكاح فكانت طلاقًا كالفرقة بقوله: أنت طالق، ولنا أنها فرقة توجب تحريمًا مؤبدًا فكانت فسخًا كفرقة الرضاع، ولأن اللعان ليس بصريح في الطلاق ولا نوى به الطلاق فلم يكن طلاقًا كسائر ما ينفسخ به النكاح، ولأنه لو كان طلاقًا لوقع بلعان الزوج دون لعان المرأة.
وقال الشوكاني: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّه فَسْخٌ، وَذَهَب أَبُو حَنِيْفَةَ وَرِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ إِلَى أَنَّهُ طَلَاقٌ.
الرابعة: عدة اللعان.
وَكَّلَ فُرْقَةٍ بَيْنَ زَوْجَيْنِ فَعِدَّتها عِدَّةُ الطَّلَاقِ، سَوَاءٌ كَانَتْ بِخُلْعٍ، أَوْ لِعَانٍ، أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ فَسْخٍ بِعَيْب، أَوْ إعْسَارٍ، أَوْ إعْتَاقٍ، أَوْ اخْتِلَافِ دِينٍ، أَوْ غَيرِهِ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عِدَّةَ الْمُلَاعَنَةِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ.
وَأَبَى ذَلِكَ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالُوا: عِدَّتها عِدَّةُ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا مُفَارِقَةٌ فِي الْحَيَاةِ، فَأَشْبَهَتْ الْمُطَلَّقَةَ.
الوجه الثالث: سبب النزول، وتفسير آيات اللعان.
أولًا: سبب نزول الآية الكريمة.