ومن أخطاء بعض المفسرين الواضحة تفسيرهم"اللاتي يأتين الفاحشة"بأنها السحاق، فإن البقاء في البيوت تمكين لها، ولا الفاحشة في الآية الثانية باللواط، فإن ذلك ينفر منه الذوق السليم، والفاحشة تكاد تكون محصورة في الزنى، وقد قيل: إن ثمة آية تقول (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) ونسخت تلاوة، ولم تنسخ حكما، وهذه رواية بطريق الآحاد، وإن ادعيت شهرة الخبر.
وقد يقول قائل: إن الرجم أقسى عقوبة في الأرض فكيف يثبت ما دونها بالقرآن القطعي بدلالته وسنده، ولا تثبت تلك العقوبة الغليظة إلا بحديث آحاد، وإن ادعيت شهرته، والاعتراض وارد، ولا سبيل لدفع إيراده.
ولقد سأل بعض التابعين الصحابة أكان رجم النبي - صلى الله عليه وسلم - لماعز والغامدية قبل نزول آية النور أم بعدها؛ فقال: لَا أدري لعله قبلها، ونحن لَا نتهجم بالنسخ، ولو كان نسخ السنة، فلسنا ندَّعي نسخها بالآية الكريمة، ولم يبين أنها نسخته ولا نسمح بنسخ السنة بمجرد الاحتمال، ولا بمجرد التعارض، ولكن يبقى بين أيدينا أن العقوبات كلها مذكورة في القرآن إلا هذه مع أنها أقسى عقوبة، وإذا كان ثمة احتمال النسخ، فهو احتمال ناشئ من دليل وليس احتمالا مجردا أقسى من أشد عقوبات إلا الآية التي فيها محاربة الله ورسوله، وهو القتل والصلب، فإن الرجم: الرمي بالحجارة حتى يموت فهو عذاب حتى الموت، والصلب أهون لأنه بعد الموت حيث لَا يكون إحساس، ولا يضر الشاة سلخها بعد موتها، كما قالت ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها، ولعن الله من آذاها في نفسها وفي أبيها وآذي الكعبة معها.
هذه عقوبة الزنى، ونعتقد أن حكم الآية عام، والظاهر من الألفاظ أنها تعم المحصن وغير المحصن، وقالوا: ثبت بالسنة تغريب عام، بعد الجلد على ملأ من الناس لكي يذهب عنه عار الجلد. وروي عن مالك أن المرأة لَا تعذب حتى لَا تكون عرضة للسقوط مرة أخرى، وفائدة التعذيب بالنسبة للرجل لكي يذهب عنه خزي الجريمة، لأن الخزي يجعله يهون في ذات نفسه، فيهون عليه ارتكاب الجريمة، إذ الجريمة في ذاتها هوان.