ومع أن المتبادر لنا أن التفريق الأبدي هو الأوجه والمستفاد من حديث ملاعنة هلال فإن رأي أبي حنيفة لا يتناقض معه لأنه ليس فيه صراحة قطعية. ولا يخلو من جهة أخرى من وجاهة أيضا إذا تحقق شرطه وهو تكذيب الزوج لنفسه حيث يكون في ذلك ردّ لكرامة الزوجة وسمعتها. غير أن الرأي الأول هو الأوجه.
ولا سيما إذا أخذ برأي الإمام مالك الوجيه فأقيم حدّ القذف على الزوج وألحق به الولد. فإن في ذلك ردّا أقوى لكرامة الزوجة. والله تعالى أعلم.
واللعان كما هو واضح إجراء قضائي. وقد جرى على يد النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره وفي مشهد علني. وينبغي أن يكون كذلك على يد ولي الأمر من بعده أو من ينوب عنه بطبيعة الحال.
وواضح من فحوى الآيات أن اللعان إنما يكون في حالة تعذر إقامة البينة على الزوجة. وأنه ليس له محل في حالة إمكان ذلك حيث يقام عليها الحدّ.
والجمهور على أن الزوجة إذا لم تشهد الشهادات الخمس بكذب زوجها أقيم عليها الحد. وهذا متسق مع فحوى الآيات.
ولقد اختلفت الأقوال في صدد الزوج الذي يتهم زوجته ثم ينكل عن الشهادة. فهناك من قال: إنه يعتبر قاذفا ويستوجب حدّ القذف. وهناك من قال:
إنه لا يحدّ وإنما يحبس حتى يلاعن. والرأي الأول هو الأوجه فيما هو المتبادر. ومن الغريب أن هناك من قال هذا في صدد الزوجة التي تمتنع عن
الشهادة أيضا مع ما في الآيات من دلالة قطعية على أن نجاتها من العذاب أي الحدّ منوطة بشهاداتها الخمس.
وقد فرض الفقهاء حالة محتملة الوقوع. وهي أن تكون الزوجة المتهمة حاملا وأن تكون تهمة الزوج شاملة لنفي الحمل عنه. فقالوا إن عليه- والحالة هذه- أن يذكر في شهاداته نفيه للولد عنه، وحينئذ تذكر الزوجة في شهاداتها إثبات الولد إليه. ويترتب على ذلك عدم نسبة الولد إلى الزوج ونسبته إلى أمه دون أن يعتبر ولد زنا لما هناك من شبهة. ويحق له أن يرثها وترثه. وهذا مستمد من حديث هلال ومن زيادة وردت في رواية الطبري للحديث مفادها أن ابنها يرثها وأن الولد يدعى لها ولا يرمى أي لا يقال له ولد زنا. وفي الموطأ قول للإمام مالك وهو أن ولد اللعان يرث إخوته لأمه أيضا. وهذا يتبع ذاك.