الثَّالِثُ: أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ، وَالْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْمَعْهُودِ السَّابِقِ، ثُمَّ الْمَعْهُودُ السَّابِقُ مِنَ الصَّلَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ إِلَّا الْأَعْمَالَ الَّتِي كَانَ أَتَى بِهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ ذِكْرُ الصَّلَاةِ دَلِيلًا عَلَى النُّبُوَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
* «فَإِنْ قِيلَ» : كَيْفَ قَالَ: (وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ) وَالْمُؤْمِنُ قَدْ يَخَافُ الظَّلَمَةَ وَالْمُفْسِدِينَ؟
قُلْنَا: الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْخَشْيَةِ الْخَوْفُ وَالتَّقْوَى فِي بَابِ الدِّينِ، وَأَنْ لَا يَخْتَارَ عَلَى رِضَا اللَّه رِضَا غَيْرِهِ.
(الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ(20)
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ تَرْجِيحَ الْإِيمَانِ وَالْجِهَادِ عَلَى السِّقَايَةِ وَعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، عَلَى طَرِيقِ الرَّمْزِ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ هَذَا التَّرْجِيحِ عَلَى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ: إِنَّ مَنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْأَرْبَعَةِ كَانَ أَعْظَمَ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنِ اتَّصَفَ بِالسِّقَايَةِ وَالْعِمَارَةِ وَتِلْكَ الصِّفَاتُ الْأَرْبَعَةُ هِيَ هَذِهِ: فَأَوَّلُهَا الْإِيمَانُ، وَثَانِيهَا الْهِجْرَةُ، وَثَالِثُهَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالْمَالِ وَرَابِعُهَا الْجِهَادُ بِالنَّفْسِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الْمَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْأَرْبَعَةِ فِي غَايَةِ الْجَلَالَةِ وَالرِّفْعَةِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَجْمُوعَ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: الرُّوحُ، وَالْبَدَنُ، وَالْمَالُ.
أَمَّا الرُّوحُ فَلَمَّا زَالَ عَنْهُ الْكُفْرُ وَحَصَلَ فِيهِ الْإِيمَانُ، فَقَدْ وَصَلَ إِلَى مَرَاتِبِ السَّعَادَاتِ اللَّائِقَةِ بِهَا.