فهي منذ اللحظة الأولى خطاب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وخطاب لقومه الذين يجاهدهم بهذا القرآن . . وكل ما يجيء في السورة بعد ذلك من قصص , ومن وصف لرحلة البشرية الطويلة , وعودتها من الرحلة المرسومة , وكل ما يعرض من مشاهد في صفحة الكون وفي يوم القيامة . . إنما هو خطاب غير مباشر , - وأحيانا مباشر - للنبي (صلى الله عليه وسلم) وقومه للإنذار والتذكير , كما يشير هذا المطلع القصير .
وقول الله - سبحانه - لرسوله (صلى الله عليه وسلم) :
(كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه) . .
يصور حالة واقعية لا يمكن أن يدركها اليوم إلا الذي يعيش في جاهلية وهو يدعو إلى الإسلام ; ويعلم أنه إنما يستهدف أمراً هائلاً ثقيلاً , دونه صعاب جسام . . يستهدف إنشاء عقيدة وتصور , وقيم وموازين , وأوضاع وأحوال مغايرة تمام المغايرة لما هو كائن في دنيا الناس . ويجد من رواسب الجاهلية في النفوس , ومن تصورات الجاهلية في العقول , ومن قيم الجاهلية في الحياة , ومن ضغوطها في الأوضاع والأعصاب , ما يحس معه أن كلمة الحقيقة التي يحملها , غريبة على البيئة , ثقيلة على النفوس ; مستنكرة في القلوب . . كلمة ذات تكاليف بقدر ما تعنيه من الانقلاب الكامل لكل ما يعهده الناس في جاهليتهم من التصورات والأفكار , والقيم والموازين , والشرائع والقوانين , والعادات والتقاليد , والأوضاع والارتباطات . . ومن ثم يجد في صدره هذا الحرج من مواجهة الناس بذلك الحق الثقيل , الحرج الذي يدعو الله - سبحانه - نبيه (صلى الله عليه وسلم) ألا يكون في صدره من هذا الكتاب شيء منه ; وأن يمضي به ينذر ويذكر ; ولا يحفل ما تواجهه كلمة الحق من دهشة واستنكار , ومن مقاومة كذلك وحرب وعناء . .