فَصْلٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَوْله تَعَالَى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ} لَمَّا كَانَ ضَمِيرُهُ مَا وَصَفْنَا مِنْ الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ أَوْ إرَادَةِ الْقِيَامِ إلَيْهَا فِي حَالِ الْحَدَثِ ، فَأَوْجَبَ ذَلِكَ تَقْدِيمَ الطَّهَارَةِ مِنْ الْإِحْدَاثِ لِلصَّلَاةِ ، وَكَانَتْ الصَّلَاةُ اسْمًا لِلْجِنْسِ يَتَنَاوَلُ سَائِرَهَا مِنْ الْمَفْرُوضَاتِ وَالنَّوَافِلِ ، اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ شَرَائِطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ الطَّهَارَةُ أَيَّ صَلَاةٍ كَانَتْ ؛ إذْ لَمْ تُفَرِّقْ الْآيَةُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْهَا ، وَقَدْ أَكَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ {: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ} .
قَوْله تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} يَقْتَضِي إيجَابَ الْغَسْلِ وَالْغَسْلُ اسْمٌ لِإِمْرَارِ الْمَاءِ عَلَى الْمَوْضِعِ إذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ نَجَاسَةٌ ، وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ نَجَاسَةٌ فَغُسْلُهَا إزَالَتُهَا بِإِمْرَارِ الْمَاءِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} إنَّمَا الْمَقْصِدُ فِيهِ إمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى الْمَوْضِعِ ؛ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ نَجَاسَةٌ مَشْرُوطٌ إزَالَتُهَا ، فَإِذَا لَيْسَ عَلَيْهِ دَلَكَ الْمَوْضِعَ بِيَدِهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ إمْرَارُ الْمَاءِ حَتَّى يَجْرِيَ عَلَى الْمَوْضِعِ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: (عَلَيْهِ إمْرَارُ الْمَاءِ وَدَلْكُ الْمَوْضِعِ بِيَدِهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ غُسْلًا) .
وَقَالَ آخَرُونَ وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ: (عَلَيْهِ إجْرَاءُ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلْكُهُ بِيَدِهِ) .