ونعلم أن السراب هو شيء من انعكاسات الضوء يخدع الرائي السائر في الصحراء فيظن أنه ماء ، ويسير إليه الإنسان فلا يجده ماء ، هكذا يكون عمل الذي يكفر بآيات الله . إنها أعمال تبدو متوهمة النفع . وقول الحق سبحانه: {وَوَجَدَ الله عِندَهُ} أي أن مثل هذا الإنسان يفاجأ بوجود الله ، كأن مسألة وجود الإله لم تكن بخياله من قبل ، والإنسان لا يأخذ أجره إلا لمن عمل به . فهل عمل الواحد من هؤلاء لله حتى يأخذ منه أجراً؟ . لا . لم يعمل لله ، ولذلك نجد أن بعض السطحيين في الفهم يقولون: كيف لا يجزي الله الجزاء الحسن هؤلاء العلماء الذين اخترعوا العلاجات للأمراض ، والعلماء الذين ابتكروا الأشياء التي تنفع الناس؟ كيف لا يحسن الله جزاءهم في الآخرة؟
ونقول: لقد فعلوا ذلك ولم يكن الله في بالهم ، كان في بالهم الإنسانية ، وقد أعطتهم الخلود في الذكرى وأقامت لهم التماثيل ومنحتهم أوسمة ووضعت فيهم المؤلفات لتمدحهم .
هم قد عملوا للناس فأعطاهم الناس . وهؤلاء الكافرون بتقدمهم في العلوم ؛ مسخرون للإنسان المؤمن ؛ فالمؤمن يستفيد من الكهرباء ، وينتفع بها المسلمون ليقرأوا القرآن والعلم والذكر . ويستفيد المسلم من الطائرات فيذهب بها إلى الحج وزيارة المدينة المنورة ، وينتفع بها كذلك في شئون دنياه ، وعلى المؤمنين أن يأخذوا بالأسباب حتى لا يكونوا أذلة وعالة على غيرهم . والحق يسخر علم الكفار للمؤمنين ، ولا يثاب الكفار على هذا العمل من الله . ولذلك يقول الحق عن أعمالهم مرة: {والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب} [النور: 39]