قال تعالى"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ"في كلّ ما يلزم القيام به من العمل بطاعته والاجتناب عن نهيه قولا وفعلا حالة كونكم"شُهَداءَ بِالْقِسْطِ"العدل من غير محاباة لأحد بود أو قرابة ومن غير حيف من بغض أو عداوة"وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ"يحملنكم ويدعونكم"شَنَآنُ"بغض أو عداوة"قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا"في أحكامكم وشهاداتكم ، وقد عدّي فعل يجرمنّكم بحرف الاستعلاء لتضمنه معنى فعل يتعدى فكأنه قال لا يحملنكم بغض المشركين ومنهم الخطيم شريح بن شرحبيل المار ذكره في الآية الثانية النّاهية على عدم ترك العدل والتعدي عليه بارتكاب ما لا يحل بل"اعْدِلُوا"بشأنه وشأن كلّ أحد سواء كان قريبا أو بعيدا ، صديقا أو عدوا ، وضيعا أو رفيعا ، شريفا أو سخيفا ، غنيا أو فقيرا لأن إجراء العدل مع الجميع"هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى"الموجبة لقرب اللّه تعالى الموصلة لجنته"وَاتَّقُوا اللَّهَ"في أقوالكم وأفعالكم وحركاتكم وسكناتكم سركم وجهركم"إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ" (8) من العدل والحيف في الأحكام والشّهادة والجد والهزل بأقوالكم وأفعالكم وإشاراتكم ورمزكم ونياتكم ، وهو الأمر للوجوب لأنه لم يقيد ولم يعلق على شيء وما كان كذلك فهو واجب امتثاله لا مندوب ، والعدل أساس الملك وهو مبعث الرّاحة للعامة والخاصة ، وملاك كل شيء وقوام الأمور بين النّاس ، وهو الأصل الذي يرجع إليه في الدّنيا والآخرة قال تعالى"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ"بما عاهدهم عليه وواثقهم به وماتوا على ذلك فيكون"لَهُمْ مَغْفِرَةٌ"عامة لذنوبهم وستر شامل لعيوبهم في الدّنيا"وَأَجْرٌ عَظِيمٌ" (9) في الآخرة لا أعظم منه ، وناهيك به أنه من الرّب العظيم ولا يعطي العظيم إلّا العظيم.