وقوله: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ(24)
أي لسْنَا نقْبل مَشُورَةً في دُخُوولها، ولا أمراً، وفيها هُؤلاءِ الجبارون، فأعلم
اللَّه جلَّ ثناؤه أن أهل الكتاب هؤلاءِ غير قابلين من الأنبياءِ قَبْلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأن الخلافَ شأْنُهم.
وفي هذا الِإعلام دليل على تصحيح نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه أعلمهم
ما لا يُعْلَمُ إِلا من قراءَة كتاب أو إِخْبارٍ، أو وَحْي، والنبي - صلى الله عليه وسلم - منشؤه معروف بالخُلوِّ من ذكر أقاصيص بني إِسرائيل، وبحيث لا يقرأ كتبَهُمْ، فلم يبق في علم ذلك إِلا الوحي.
وقوله: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا) .
كلام العرب: اذهب أنت وزيد، والنحويون يستقبحون اذهب وزيد.
لأنه لا يعطف بالاسم الظاهر على المضمر، والمضمر في النية لا علامة
له، فكان الاسم يصير معطوفاً على ما هو متصل بالفعل غير مفارق له.
فأمَّا قوله: (فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ) فمن رفع فإِنما يجوز ذلك
لأن المفعول يقوي الكلام، وكذلك ضربْتُ زيداً وعمرٌو. كما يقوي الكلام
دُخولُ لا، قال الله جل ثناؤه: (لَوْ شَاءَ اللَّهَ مَا أشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا) .
وقوله: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ(25)
(أَخِي) في موضع رفع، وجائز أن يكون في موضع نصبٍ.
المعنى: قال ربي إِني لا أملك إِلا نفسي، وأخي أيضاً لا يملك إِلا
نفسه، ورفعه من جهتين إِحداهما: أن يكون نَسَقاً على موضع إِنَي.
المعنى أَنا لا أملك إِلا نفسي وأخي كذلك.
ومثله قوله: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) وجائز أن يكون عطفاً على"ما"في قوله أملك