وقال بعض أهل اللغة هو جَر على الجِوَارِ، فأما الخفض على الجوار فلا يكون في كلمات اللَّه، ولكن المسح على هذا التحديد في القرآن كالغُسل لأن قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) ، فذكر الحدَّ في الغسل لليد إِلى المرافق، ولليد من أطراف الأصابع إلى الكتفِ، ففرض علينا أن نغسل بعض اليد من أطراف الأصابع إِلى المرفق، فالمرفق منقَطِع مما لا يُغْسَل ودخل فيما يُغْسَل.
وقد قال بعض أهل اللغة معناهُ مع المرافق، واليَدُ المرفق داخل فيها، فلو كان اغسلوا أيديَكم مع المرفَق، لم تكن في المرافق فَائِدة وكانت اليد كلها يجب أن تغسل، ولكنه لما قيل إلى المرافق اقتطعت في الغسل من حَد المِرفق، والمِرفَق في اللغة ما جاوز الإِبرة وهو المكان الذي يُرتَفَقُ به، أي يتكأ عليه على المرفقة وغيرها.
فالمرافق حَد ما ينتهَي إِليه في الغسْل منها، وليس يحتاج
إلى تأويل (مع) .
ولما حدَّ في الرِّجْلِ إِلى الكعْبين، والرِّجْل من أصل الفخذ إِلى القَدَم
عُلمَ أن الغُسْلَ من أطراف الأصابع إِلى الكعبين، والكعبان هما العظمان
الناتئان في آخر الساق مع القدم، وكل مِفْصَل من العظام فهو كعب، إِلا أن
هذين الكعبين ظاهران عن يَمْنَة فوق القدم وَيسْرَتِه، فلذلك لم يحتج إلى أن
يقال الكعبان اللذان صِفَتهما كذا وكذا.
فالدَّلِيل على أن الغسل هو الواجب في الرجل، والدليل على أن
المَسْحَ على الرجل لا يجوز هو تحديد إِلى الكعبين كما جاءَ في تحديد
اليد إِلى المرافق، ولم يجئْ في شيء في المسح تحديد، قال فامسحوا
برؤوسكم بغير تحديد في القرآن وكذلك قوله:
(فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ)
ويجوز وأرجُلِكم بالجر على معنى واغسلوا، لأن قوله إِلى الكعبين قد دل على
ذلك كما وصفنا، وينسق بالغسل على المسح
كما قال الشاعر: