فالباء له مرتبة الإرشاد والدلالة على التوحيد.
وعاشرها: أنّ الباء حرف شفوي، تنفتح الشفة به ما لا تنفتح بغيره من الحروف الشفوية؛ ولذلك كان أول انفتاح فم الذرة الإنسانية، في عهد {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} بالباء في جواب {بَلى} ، فلمّا كان الباء أول حرف نطق به الإنسان، وفتح به فمه، وكان مخصوصا بهذه المعاني، اقتضت الحكمة الإلهيّة اختياره من سائر الحروف، فاختارها ورفع قدرها، وأظهر برهانها، وجعلها مفتاح كتابه ومبتدأ لكلامه وخطابه تعالى وتقدس، كذا في التأويلات النجمية.
وإنما قال: {بِسْمِ اللَّهِ} ولم يقل: بالله؛ لأنّ التبرّك والاستعانة بذكر اسمه، أو للفرق بين اليمين والتيمّن، ولم تكتب الألف على ما هو وضع الخط؛ لكثرة الاستعمال، وطوّلت الباء عوضا عنها.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) }
فإن قلت: لم جمع (العالمين) جمع قلّة، مع أنّ المقام مستدع للإتيان بجمع الكثرة، كالعوالم؟
قلت: تنبيها على أنهم، وإن كثروا فهم قليلون في جانب عظمته تعالى، وكبريائه.
فإن قلت: الجمع يقتضي اتفاق الأفراد في الحقيقة، وهي هنا مختلفة.
قلنا: بل هي متفقة من حيث إنّ كلّا منها علامة يعلم بها الخالق، والاختلاف إنما عرض بواسطة أسمائها. اهـ. كرخي.
{مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) }
وإنّما قال: {مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ولم يقل: {مالك الدين} ؛ ليعلم أنّ للدين يوما معيّنا يلقى فيه كلّ عامل جزاء عمله.