شارد الذهن محتارا ماذا يصنع؟ ّ. لم تطل حيرة أبي المعالي الموفق بجهاده لنفسه وطاعته لله حيث أعانه مولاه حين التجأ له ولم يسلمه للهوى حين علم صدقه لم يبالى بشيء في سبيل الله فالنفس لله وهو سبحانه أحق بها من صاحبها. كان يدرك أن الموت ربمايأتيه بأي لحظة ليطرق بابه وهو في حالة التمرد والشقاق لرب الأرض والسماء.
عزم المهاجرعلى الهجرة ليلحق بالجهاد وليترك البلاد التي درج على ترابها .. وأن يتخلص من وظيفته ليلحق بالمجاهدين لا ليقدم مثلما قدم لدولته فحسب, بل اكثرمن ذلك ليبلي في الجهاد بلاء حسنا .. وما أن وصل الى بشاور حتى هرع الى المعسكر, فالجبهات, وهناك في الجبهات كان يتذكر الجهد الذي قدمه اثناء خدمته في قوات بلاده فيقول:"إن حفري هذا ليس كحفري في بلادي, إن حفري هذا يزيد من عمر الجهاد, وإذا قمت بسياقه السيارة فأنني أزيد في عمر الجهاد, وإذا قمت بتدريس المجاهدين فإنني أزيد من عمر الجهاد".. يالها من شفافية في الروح وإحساس في الفهم.
كان يحب المزاح والنقاش والمرح قبل دخوله الجبهة, لكن ما إن دخل الجبهة حتى اختفت منه هذه الصفات، وكأنه يقول ولى ذاك العهد إلى غير رجعة .. وكان لسان حاله يقول:
صمتا, فقد نطق الرصاص ومالنا
غير الرصاص يقود نحو الجهاد
حدث مرة ان طلب آمر موقع خالد بن الوليد في لوجر إمدادا لرصد تحركات العدو, قال الآمر"نور محمد"لقد طلبت من القائد ألا يرسل الى أبا المعالي حتى لا أكون أميرا عليه, لأنه احفظ مني لكتاب الله, وأوسع مني فكرًا واكبر مني سنًا, فخجلت ان أكون مسؤولا عن رجلا هذه صفاته, إلا أن الأمير أرسله له وذلك لثقته في أنه الأكفأ لهذه المهمة الصعبة. ويضيف"نور محمد"كنا نذهب يوميًا للرصد ونعود في المساء, وكان أبو المعالي يحمل سلاح البيكا مع ذخيرته, ولا يشعرنا بأي تعب رغم ثقل وزن هذا السلاح ... كان كلما سمع نبأ استشهاد أخ له يبكي على نفسه، ويقول:"ما حرمنا"