فإذا كانت هذه الأوصاف مناسخة متنافية، لم يجز لأحد أن يجمع لأحد بين الواجبات التي تجب فيها، فيؤتى ثواب العدالة مدة إعتداله تاماً، يعاقب بالفسق مدة فسقه تاماً، ويعذب على كفره مدة ما كفر، ويثاب إيمانه مدة ما آمن، لأن ما حكم الله - عز وجل - وموضوع سنة نبيه، إن من فسق ثم تاب وأصلح فسقه، ومن أصلح وقتاً ثم فسق أحبط فسقه من الطاعات التي قدمها دون أصل للإيمان بعدده حتى لا يجب له ثوابها.
وأما أصل الإيمان فأمره على الاختلاف، وإذا كان كذلك، وجب أن يكون الجزاء بعد انقطاع العمل وتقضي مدته، ثبت أن الله - عز وجل - قد أعد للجزاء دارا سوى دار العمل، وأنه يوردهم إياها واجباً ليجزيهم بأعمالهم، فيثبت المحسن ثواباً يشترك فيه من يثيبه كل ما إشترك منها عن حسن العمل، فيعاقب المسيء عقوبة يشترك فيها من ينيبه كلما إشترك فيها من سوء العمل وبالله التوفيق.
ويقال للمعارض الذي حكيت قوله واجبته عنه: أرأيت العابد الخاشع الناسك الذي لا يعصي الله، ولا يخلو من وجع أو شدة جوع أو عري في الحر والبرد بما يؤذى، ويخفى وهو بصير ولا يفارق عادته، إذا مات على هذه الجملة، أليس إنما مات ولم يستوف ثواب عمله.
أرأيت الفاسق الخليع المتهتك إذا رضي أيامه في ضروب المعاصي، فلم يدع شهوة إلا قضاها ولا لذة إلا إستوفاها وهو في ذلك لا يصيبه غم ولا وجع ولا نيلاً ولا يزداد على الأيام إلا غناء وثروة وجاهاً، ورفعه وهو لا يقلع عما فيه إلى أن مات على هذه الجملة! أليس إنما يثاب غير مجزى بعمله، فما حال هذين الرجلين عندك، أضاع الموت سمعيهما، فهذا خلاف الحكمة، والله الموفق تعالى حكيم له يجزيان، فأين تجريان إلا أن يجيئا مثقلاً إلى دار أخرى فيجربانها كما تقول!
وإذ كان هذا هكذا، بأن العباد إذ كانوا متقاربي الحال، فمنهم محسن يلقى في حياته خيراً ومسيء يلقى في حياته شراً، ومحسن ومسيء لا يلقى واحداً منهما في حياته ما يليق بحاله.
فواجب أن لا يكون الخير الذي يلقاه المحسن ولا الشر الذي يلقاه المسيء جزاء بالحقيقة، وإنما يكون الجزاء ترغيباً وتحريضاً وبشرى للمحسن، والشر ترهيباً وإنذاراً للمسيء، لأنه لا يجوز أن يكون بعض العمال يجزون وبعض العمال لا يجزون، وإذا لم يجز ذلك صح إنما تفاوت فيه القوم لم يكن جزاء بالحقيقة، وإنما كان الغرض منه شيئاً آخر والله أعلم.