فجوابه أن ذلك ليس أن الله تعالى لا يقدر أن يخرج من هذا فرخاً، ولا من ذلك شجراً، فإن الله - عز وجل - خلق آدم صلوات الله عليه من صلصال كالفخار، ولكنه لم تجر العادة بذلك كما لم تجر العادة بأن يخلق إنساناً لا من أبوين، ولو شاء لخلق، كما خلق آدم صلوات الله عليه من صلصال كالفخار، ولكنه لم تجر العادة بذلك كما لم تجر بأن يخلق إنساناً لا من أبوين، ولو شاء لخلق كما خلق آدم لأمر مثله.
والأصل إن وجود خلق البشر من الله دليل قاطع، على أنه تعالى قادر على مثله وعدم خلق الشيء منه، ليس بدليل على أنه عاجز عن خلقه لأنه إنما يخلق ما يخلق مختاراً، فإن شاء يخلق على ما يقدر على خلقه، وإن شاء لم يخلق وهذا في كل مختار ينشأ، هكذا يكون، لأن إتخاذ النجار بابا يدلنا على أنه يمكنه أن يتخذ باباً سواه، فإن لم يتخذ سريراً لم يكن ذلك دليل على أن ذلك خارج من وسعه.
فكذلك وجود إخراج الله تعالى الفرخ من البيض غير أن المستوى والنجم والشجر من الجنة والنوى غير المقلي، دليل قاطع على أنه قادر على إحياء الموتى كما هو قادر على ما ذكرنا.
وعدم إخراجه من البيض المشوي والحب المقلي، لا يدل على أنه ليس بقادر على ذلك، وأقصى ما عسى أن يقال في هذا الشأن يعيد إلى البيض المشوي والحب المقلي ما أخذت النار منهما ثم يخرج من هذا فرخاً، ومن ذلك شجراً، وهو إذا قدر على هذا، فقد قدر على إحياء البيض والحب والنوى.
وليس الكلام على أنه كيف يحيي؟ وإنما الكلام على الإحياء نفسه، فقد ثبت أنه ليس بخارج من قدرته والله أعلم.
وأما ماأ راه إبراهيم صلوات الله عليه لما قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} فهو أن أمره بأن يأخذ أربعة من الطيور، فيقطعن، ويجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم يدعوهن.
فرجع كل جزء إلى مثله حتى يلتئم جملة ذلك الطير، ويرد الله الحياة إليها، يأذن له في أحيائه، فيأتيه سعياً، فجعل إبراهيم صلوات الله عليه، وأنجز الله له وعده.
وقد أدى ثناؤه مثل هذا، الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أن يحيي هذه الله بعد موتها، وكان معه حمار وركوة عصير وسلة تين، على ما جاءت به الأخبار.
فأماته مائة عام ثم بعثه، قال: كم لبثت؟ قال لبثت يوماً أو بعض يوم، قال: بل لبثت مائة عام.
وكان قد أمات الحمار وأبلاه، فعلم أن لبثه لم يكن يوماً أو بعض يوم، ثم أن الله تعالى أحياه على عينه.