والأبلقُ مشهورُ المنظر لاختلاف لونَيْه - السواد والبياض - وكان رؤساء العرب لا يركبون البُلْقَ في الحرب لئلا تنِمَّ عليهم فيُقْصَدوا بشرّ، وقوله: ترى الأكْمَ منه سجداً للحوافر يقول: لكثرة الجيش يَطْحَن الأكم حتّى يُلْصقَها بالأرض:
يَدَعُ الأكامَ كأنَّهن صحارى
وقوله: كمثل الليل يريد: ظلمةً يكاد سوادُه لكثرته يسدُّ الأفق، والوغى: الأصوات، والارتجاس: صوت الشيء المختلط العظيم كالجيش والرعد، والتوالي: اللواحق
ومن بارع ما قيل في الكيد في الحرب قولُ أبي تمام:
هَزَزْتَ له سَيْفاً من الكيدِ إنّما ... تُجَذُّ به الأعْناقُ ما لَمْ يُجَرَّدِ
يَسُرُّ الذي يَسْطو به وهْوَ مُغْمَدٌ ... ويَفْضَحُ مَنْ يَسْطو بهِ غيرَ مُغْمَدِ
يقول: إن أخفيت الكيدَ ظفِرْتَ وسُررت، وإن أظهرته افتِضِحْت وخِبْتَ
وقال يصف أفاعيل رُمْح الممدوح في أعدائه:
أنْهَبْتَ أرْواحَه الأرْماحَ إذْ شُرِعَتْ ... فَما تُرَدُّ لِرَيْبِ الدَّهْرِ عَنْه يَدُ
كأنَّها وهْيَ في الأوْداجِ والِغةٌ ... وفي الكُلى تَجِدُ الغَيْظَ الذي تَجِدُ
مِنْ كُلِّ أزْرقَ نَظَّارٍ بلا نَظَرٍ ... إلى المَقاتلِ ما في مَتْنِه أوَدُ
كأنَّه كانَ خِدْنَ الحُبِّ مُذْ زَمَنٍ ... فلَيْسَ يُعْجِزُه قَلْبٌ ولا كَبِدُ
ما غُزي قومٌ قطّ في عقر دارهم إلا ذلُّوا
ومِنْ خُطْبة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد انتهى إليه: أنّ خيلاً لمُعاويةَ وردت الأنبارَ فقتلوا عاملاً له يُسمى حسانَ بن حسان، فخرج مُغْضباً يَجُرُّ ثوبَه حتى أتى النُّخيلة واتّبعه الناس فَرقِيَ ربارةً من الأرض فحَمِد اللهَ وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال:
أمّا بعدُ فإنّ الجِهاد بابٌ من أبواب الجنة، فمَنْ تركَه رغبةً عنه ألبسهُ اللهُ الذُّلَّ، وسيمَ الخَسْفَ، ودُيِّثَ بالصَّغار، وقد دعوتكم إلى حربِ هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً وسِرّاً وإعْلاناً وقلتُ لكم: اغْزوهم من قبلِ أن يغزوكم فوَ الذي نفسي بيده: ما غُزيَ قومٌ قطُّ في عُقْرِ دارِهم إلا ذلّوا، فتخاذلتم وتواكلتُم وثقُلَ عليكم قولي واتَّخذْتُموه وراءَكم ظِهْريَّاً، حتّى شُنَّت عليكم الغاراتُ، هذا أخو غامِدٍ قد وردت خيلُه الأنبارَ وقَتلوا حسانَ بن حسان ورجالاً منهم كثيراً ونساءً، والذي نفسي بيده لقد بلغني أنّه كان يُدْخلُ على المرأة المسلمة والمُعاهدة فتُنْتزع أحْجالُهما ورُعْثُهما ثم انصرفوا