فإذا كان عطاء فأقم ... وإذا كان قتال فاعتزل
إنّما يسعرها جهالها ... حطب النّار فدعها تشتعل
وقال آخر:
أضحت تشجّعنى هند وقد علمت ... أنّ الشّجاعة مقرونٌ بها العطب
للحرب قوم أضل الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى نيرانها وثبوا
ولست منهم ولا أبغى فعالهم ... لا القتل يعجبني منهم ولا السّليب
لا والذي جعل الفردوس جنته ... مايشتهي الموت عندي من له أرب
وقال أبو الغمر المدني كاتب الحسن بن زيد:
قد هان عندي لسان العار والعذل ... فلست آنف من جبن ولا فشل
إنّي بخلت بنفس لا يجاد بها ... ولست بالمال أفديها من البخل
هيهات تأبى لي التغرير فلسفةٌ ... ترى حضور الوغى من أكثر الزّلل
متى رأيت شجاعاً مات بالأجل ... ونال من لذّة الدنيا مدى الأمل
كأنّ آجال شجعان الورى خلقت ... في أنفس البيض والخطبّة الذّبل
وقال أيضاً:
إني أضن بنفس لا يجاد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية السّرف
ما أبعد القتل من نفس الجبان وما ... أحلّه بالفتى الحامي عن الشّرف
وقال أيمن بن خريم:
يقول لي الأمير وقد رآني ... تقدم حين جدّ بنا المراس
فما لي إن أطعتك غير نفسي ... وما لي غير هذا الراس راس
وقال الهذلي يصف جباناً:
تحول قشعريراته دون لونه ... فرائصه من الموت ترعد
وقال آخر:
وكتيبةٍ لبستها بكتيبةٍ ... حتّى إذا التبست نفضت لها يدي
فتركتهم تقص الرّماح ظهورهم ... من بين منجدلٍ وآخر مسند
ما كان ينفعني مقال نسائهم ... وقتلت دون رجالهم لا تبعد
وروينا أن مروان بن الحكم، دعا أيمن بن خريم إلى القتال بمرج راهط، فقال له: إن أبي وعمي شهداء بدر، وعهدوا إلي ألا أقاتل مسلما، ثم أنشأ يقول
ولست بقاتلٍ رجلاً يصّلي ... على سلطان آخر من قريش
له سلطانه وعلي إثمي ... معاذ الله من سفه وطيش
أأقتل مسلماً في غير جرمٍ ... فلست بنافعي ما عشت عيشي
وقد روي أن هذه القصة جرت لأيمن بن خريم مع عبد الملك بن مروان.
ولأبي الغمر كاتب الحسن بن زيد أمير المدينة:
لست غداة الكر بالكرّار ... ولا على الطّعان بالصّبّار
هانت عليّ سبلات العار ... وما أبالي قبلوا اعتذاري
أو وسموني سمة الغدّار ... أنا طليق الرّكض والفرار
فديت نفسي منه بالإضمار ... فلو تراني أو ترى إحضاري
لا أعرف اللّيل من النّهار ... لخلتني عجلان ذا انشمار
طرفاً نجا من وخزة البيطار ... أحكم منه الصنّع في المضمار
أو عدو عير غير ما عثار ... أو كنجاء النقنق الطّيّار