والثاني: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} في سورة الأنعام. وإنما كان كذلك في هذين الموضعين لأنه يأتي بعدهما لام الخبر، فانكسرا.
أي: لأن اللام لتأكيد معنى الجملة، ولا جملة إلا في صورة المكسورة. وقال بعضهم: إذا دخلت لام الابتداء على خبرها .. تكون مكسورة؛ لاقتضاء لام الابتداء الصدارة، كما يقال: لزيدٌ قائم. وأخرت اللام لئلا يجتمع حرفا التأكيد، واختير تأخيرها لترجيح إن في التقديم لعامليته، فكسرت لأجل اللام.
{وَاللَّهُ يَشْهَدُ} شهادة حقة {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} ؛ أي: إنهم لكاذبون فيما أضمروه من أنك غير رسول. والإظهار في موضع الإضمار لذمهم والإشعار بعلية الحكم. أو لكاذبون فيما ضمنوا مقالتهم من أنها صادرة عن اعتقاد وطمأنينة قلب.
فإن الشهادة وضعت للإخبار الذي طابق فيه اللسان اعتقاد القلب، وإطلاقها على الزور مجاز، كإطلاق البيع على الفاسد. نظيره: قولك لمن يقول: أنا أقرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) } : كذبت، فالتكذيب بالنسبة إلى قراءته لا بالنسبة إلى المقروء الذي هو: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) } . ومن هنا يقال: إن من استهزأ بالمؤذن لا يكفر، بخلاف من استهزأ بالأذان، فإنه يكفر. قال بعضهم: الشهادة حجة شرعية تظهر الحق ولا توجبه، فهي الإخبار بما علمه بلفظ خاص، ولذلك صدق المشهود به وكذبهم في الشهادة بقوله: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ ...} إلخ.
ودلت الآية على أن العبرة بالقلب وبالإخلاص، وبخلوصه يحصل الخلاص. وكان - صلى الله عليه وسلم - يقبل من المنافقين ظاهر الإِسلام.
ومعنى الآية: أي إذا حضر مجلسك المنافقون، كعبد الله بن أبي وأصحابه .. قالوا: نشهد شهادة لا نشك في صدقها أنك رسول من عند الله حقًا، أوحى إليك وحيه، وأنزل عليك كتابه رحمة منه بعباده.
ثم أتى بجملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها تحقيقًا لرسالته، فقال: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا؛ لتنقذهم من الضلال إلى الهدى.