53 -ثم أدب الله سبحانه عباده بآداب ينبغي أن يتخلقوا بها لما فيها من الحكم الاجتماعية، والمزايا العمرانية، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} ؛ أي: حجرات النبي - صلى الله عليه وسلم - في حال من الأحوال، وهذا نهي عام لكل مؤمن أن يدخل بيوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بإذن منه، وسبب النزول ما وقع من بعض الصحابة في وليمة زينب بنت جحش، كما سبق في أسباب النزول.
فَإِنْ قُلْتَ: إن الله أضاف البيوت هنا إلى النبي، وفيما سبق إلى الأزواج؛ حيث قال: {مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ} فبينهما معارضة؟
قلت: لا معارضة؛ لأن الإضافة فيما سبق إضافة سكن، وهنا إضافة ملك، كما يؤخذ من"الفتوحات".
وقوله: {إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} استثناء مفرغ من أعم الأحوال، وهو في موضع نصب على الحال؛ أي: إلا مصحوبين بالإذن، أو بنزع الخافض؛ أي: إلا بأن يؤذن لكم، أو منصوب على الظرفية؛ أي: إلا وقت أن يؤذن لكم.
أي: لا تدخلوا بيوت النبي في حال من الأحوال إلا حال كونكم مأذونًا لكم ومدعوين {إِلَى طَعَامٍ} ومأكول، وهو متعلق بـ {يُؤْذَنَ} على تضمينه معنى يدعى؛ لشعار بأنه لا يحسن الدخول على الطعام من غير دعوة، وإن أذن في الدخول، كما أشعر به قوله: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} ، وهو حال من فاعل {لَا تَدْخُلُوا} على أن الاستثناء وقع على الظرف والحال، كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا حال الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين إناه؛ أي: غير منتظرين إناه؛ أي: نضجه وإدراكه واستواءه وصلاحيته للأكل. والأناه - بكسر الهمزة وبالقصر -: مصدر سماعي؛ لأنى الطعام إذا أدرك من باب رمى، وفيه إشارة إلى حفظ الأدب في الاستئذان، ومراعاة الوقت، وإيجاب الاحترام.