والقول الثاني: أنها لا تحل له تنزيهًا لقدره عن مباشرة الكافرة، ويترجح القول الأول بعموم هذه الآية، وتعليل المنع بالتنزيه ضعيف، فلا تنزه عما أحله الله له، فإن ما أحله .. فهو طيب لا خبيث باعتبار ما يتعلق بأمور النكاح، لا باعتبار غير ذلك، فالمشركون نجس بنص القرآن، ويمكن ترجيح القول الثاني بقوله سبحانه: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} فإنه نهي عام.
{وَكَانَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا} ؛ أي: حافظًا مهيمنًا مطلعًا عليه، لا يخفى عليه شيء، ولا يفوته شيء، فتحفظوا ما أمركم به، ولا تتخطوا ما حد لكم. والرقيب في أسمائه تعالى: هو الذي لا يغفل ولا يذهل، ولا يجوز عليه ذلك، فلا يحتاج إلى مذكر ولا منبه، كما في"شرح الأسماء"للزورقي. وقد بسطت الكلام فيه في كتابي"هدية الأذكياء على طيبة الأسماء"فراجعه.
وإجمال معنى الآية: أي لا يحل لك النساء من بعد هؤلاء التسع اللاتي في عصمتك اليوم كفاء اختيارهن الله ورسوله، وحسن صنيعهن في ذلك. ولا يحل لك أن تستبدل بهن أزواجًا أخرى غيرهن، بأن تطلق واحدة منهن، وتنكح بدلها أخرى، مهما كانت بارعة في الحسب والجمال، إلا ما ملكت يمينك منهن، وقد ملك بعدهن مارية القبطية، أهداها له المقوقس القبطي، فتسراها، وأولدها إبراهيم، ومات رضيعًا، وكان الله سبحانه حافظًا ومطلعًا على كل شيء، عليمًا بالسر والنجوى، فاحذروا تجاوز حدوده، وتخطي حلاله إلى حرامه.
وقد تضمنت الآية الكريمة حكمين:
1 -أن لا يتزوج عليه السلام غيرهن.
2 -أن لا يستبدل بهن غيرهن.
وفي الآية دليل على جواز النظر إلى من يريد زواجها، وقد روى أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل".
وعن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -:"هل نظرت إليها"؟ قلت: لا، قال:"انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما". أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن.