ونلحظ هذا المعنى في قوله تعالى: {وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل: 112] .
ومن الكفر بنعمة الله سَتْرها بالكسل والقعود عن استنباطها ، وقد يَشْقي جيل بكسل جيل قبله ، لذلك لما تنبَّهنا إلى هذه المسألة ، وبدأنا نزرع الصحراء ونُعمِّرها انفرجتْ أزمتنا إلى حَدٍّ ما ، ولو بكَّرْنا بزراعة الصحراء ما اشتكينا أزمة ، ولا ضاقَ بنا المكان .
والحق سبحانه يُعلِّمنا أنه إذا ضاق بنا المكان ألاَّ نتشبثَ به ، ففي غيره سعة ، واقرأ: {إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ الملائكة ظالمي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض قالوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ...} [النساء: 97] .
لذلك يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ، حتى في الخلوة الليلية معه: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل ...} [المزمل: 20] إلى أن يقول: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى ...} [المزمل: 20] والمرضى غير قادرين على العمل ، فعلى القادر إذن أنْ يعمل ليِسُدَّ حاجته وحاجة غير القادر {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله ...} [المزمل: 20] .
إذن: قانون الإصلاح الذي جعله الله لحياة البشر يقوم على دعامتين: الضرب في الأرض والسَّعْي في مناكبها ، وفيه مُقوِّمات الحياة ، ثم نقاتل في سبيل الله لبقاء الدعوة والمنهج ، فالأولى للقالب ، وبها نأكل ونشرب ونعيش ، والأخرى للقيم .