قال أبو عبد الله: فهذا لأهل الغفلة ، صيّر الله هذه الدنيا بما فيها سبباً للذّكر لأهل الغفلة ليذكروا بها آخرتهم ؛ فأما أهل اليقين فقد صارت الآخرة نصُب أعينهم فلا بيت حمّام يزعجه ولا بيت عروس يستفزه ، لقد دَقّت الدنيا بما فيها من الصنفين والضربين في جنب الآخرة ، حتى أن جميع نعيم الدنيا في أعينهم كُنثارة الطعام من مائدة عظيمة ، وجميع شدائد الدنيا في أعينهم كقتلة عوقب بها مجرم أو مسيء قد كان استوجب القتل أو الصلب من جميع عقوبات أهل الدنيا.
السابعة: قوله تعالى: {ذلك أزكى لَهُمْ} أي غضُّ البصر وحفظ الفرج أطهر في الدين وأبعد من دنس الأنام.
{إِنَّ الله خَبِيرٌ} أي عالم.
{بِمَا يَصْنَعُونَ} تهديد ووعيد.
قوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} إلى قوله: {مِن زِينَتِهِنَّ}
فيه ثلاث وعشرون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ} خصّ الله سبحانه وتعالى الإناث هنا بالخطاب على طريق التأكيد ؛ فإن قوله:"قل للمؤمنين"يكفي ؛ لأنه قول عام يتناول الذَّكَر والأنثى من المؤمنين ، حسب كلّ خطاب عام في القرآن.
وظهر التضعيف في"يَغْضُضْنَ"ولم يظهر في"يَغُضُّوا"لأن لام الفعل من الثاني ساكنة ومن الأوّل متحركة ، وهما في موضع جزم جواباً.
وبدأ بالغَضّ قبل الفرج لأن البصر رائد للقلب ؛ كما أن الحُمَّى رائد الموت.
وأخذ هذا المعنى بعض الشعراء فقال:
ألم تر أن العين للقلب رائد ...
ما تألف العينان فالقلب آلف
وفي الخبر:"النظر سَهْم من سهام إبليس مسموم فمن غضّ بصره أورثه الله الحلاوة في قلبه".
وقال مجاهد: إذا أقبلت المرأة جلس الشيطان على رأسها فزيّنها لمن ينظر ؛ فإذا أدبرت جلس على عَجُزها فزيّنها لمن ينظر.