وهذا أيضاً من الزواجر قال صاحب"الكشاف"إذ ظرف لمسكم أو لأفضتم ومعنى تلقونه يأخذه بعضكم من بعض يقال تلقى القول وتلقنه وتلقفه ومنه قوله تعالى: {فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37] وقرئ على الأصل تتلقونه وإتلقونه بإدغام الذال في التاء وتلقونه من لقيه بمعنى لفقه وتلقونه من إلقائه بعضهم على بعض وتلقونه ، وتألقونه من الولق والألف وهو الكذب ، وتلقونه محكية عن عائشة ، وعن سفيان: سمعت أمي تقرأ إذ تثقفونه ، وكان أبوها يقرأ بحرف عبد الله بن مسعود ، واعلم أن الله تعالى وصفهم بارتكاب ثلاثة آثام وعلق مس العذاب العظيم بها أحدها: تلقي الإفك بألسنتهم وذلك أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول له ما وراءك ؟ فيحدثه بحديث الإفك حتى شاع واشتهر فلم يبق بيت ولا ناد إلا طار فيه ، فكأنهم سعوا في إشاعة الفاحشة وذلك من العظائم وثانيها: أنهم كانوا يتكلمون بما لا علم لهم به ، وذلك يدل على أنه لا يجوز الإخبار إلا مع العلم فأما الذي لا يعلم صدقه فالإخبار عنه كالإخبار عما علم كذبه في الحرمة ، ونظيره قوله: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] فإن قيل ما معنى قوله: {بأفواهكم} والقول لا يكون إلا بالفم ؟ قلنا معناه أن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه باللسان وهذا الإفك ليس إلا قولاً يجري على ألسنتكم من غير أن يحصل في القلب علم به ، كقوله: {يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167] وثالثها: أنهم كانوا يستصغرون ذلك وهو عظيم من العظائم ، ويدل على أمور ثلاثة: الأول: يدل على أن القذف من الكبائر لقوله: {وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ} الثاني: نبه بقوله: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً} على أن عظم المعصية لا يختلف بظن فاعلها وحسبانه ، بل ربما كان ذلك مؤكداً لعظمها من حيث جهل كونها عظيماً ، الثالث: الواجب على المكلف في كل محرم أن يستعظم