وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ رَوَاهُ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والقاسم لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَيْفَ يُقَدَّمُ هَذَا عَلَى حَدِيثٍ إسْنَادُهُ كَالشَّمْسِ يَرْوِيهِ الْبُخَارِيُّ فِي"صَحِيحِهِ"
وَيَقُولُ فِيهِ مسروق: سَأَلْتُ أم رومان فَحَدَّثَتْنِي، وَهَذَا يَرُدُّ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ: سُئِلَتْ.
وَقَدْ قَالَ أبو نعيم فِي كِتَابِ"مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ": قَدْ قِيلَ: إنَّ أم رومان تُوُفِّيَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَهْمٌ.
[فَصْلٌ: هَلِ الْجَارِيَةُ الشَّاهِدَةُ عَلَى عَائِشَةَ هِيَ بَرِيرَةُ]
وَمِمَّا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ عليا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا اسْتَشَارَهُ سَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، فَدَعَا بريرة، فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ: مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى التِّبْرِ، أَوْ كَمَا قَالَتْ، وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا، فَإِنَّ بريرة إنَّمَا كَاتَبَتْ وَعَتَقَتْ بَعْدَ هَذَا بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَكَانَ العباس عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ ذَاكَ فِي الْمَدِينَةِ، والعباس إنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ شَفَعَ إِلَى بريرة أَنْ تُرَاجِعَ زَوْجَهَا فَأَبَتْ أَنْ تُرَاجِعَهُ: «يَا عباس"أَلَا تَعْجَبُ مِنْ بُغْضِ بريرة مغيثا وَحُبِّهِ لَهَا!» ."
فَفِي قِصَّةِ الْإِفْكِ لَمْ تَكُنْ بريرة عِنْدَ عائشة، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرُوهُ إنْ كَانَ لَازِمًا، فَيَكُونُ الْوَهْمُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ الْجَارِيَةَ بريرة، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ عَلِيٌّ سَلْ بريرة، وَإِنَّمَا قَالَ فَسَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، فَظَنَّ بَعْضُ الرُّوَاةِ أَنَّهَا بريرة، فَسَمَّاهَا بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ بِأَنْ يَكُونَ طَلَبُ مغيث لَهَا اسْتَمَرَّ إِلَى بَعْدِ الْفَتْحِ، وَلَمْ يَيْأَسْ مِنْهَا زَالَ الْإِشْكَالُ، واللَّهُ أَعْلَمُ. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...