وَأَيْضًا فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ بِالْأَذَى، وَالَّتِي رُمِيَتْ زَوْجَتُهُ فَلَمْ يَكُنْ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَشْهَدَ بِبَرَاءَتِهَا مَعَ عِلْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ الظَّنَّ الْمُقَارِبَ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَتِهَا، وَلَمْ يَظُنَّ بِهَا سُوءًا قَطُّ وَحَاشَاهُ وَحَاشَاهَا، وَلِذَلِكَ لَمَّا اسْتَعْذَرَ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ قَالَ: «مَنْ يَعْذِرُنِي فِي رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إلَّا مَعِي» ، فَكَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَشْهَدُ بِبَرَاءَةِ الصِّدِّيقَةِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ لِكَمَالِ صَبْرِهِ وَثَبَاتِهِ وَرِفْقِهِ وَحُسْنِ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ وَثِقَتِهِ بِهِ، وَفَّى مَقَامَ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ حَقَّهُ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ بِمَا أَقَرَّ عَيْنَهُ، وَسَرَّ قَلْبَهُ وَعَظَّمَ قَدْرَهُ وَظَهَرَ لِأُمَّتِهِ احْتِفَالُ رَبِّهِ بِهِ وَاعْتِنَاؤُهُ بِشَأْنِهِ.
وَلَمَّا جَاءَ الْوَحْيُ بِبَرَاءَتِهَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْ صَرَّحَ بِالْإِفْكِ، فَحُدُّوا ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ، وَلَمْ يَحُدِّ الْخَبِيثَ عبد الله بن أبي مَعَ أَنَّهُ رَأْسُ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَقِيلَ لِأَنَّ الْحُدُودَ تَخْفِيفٌ عَنْ أَهْلِهَا وَكَفَّارَةٌ، وَالْخَبِيثُ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَقَدْ وَعَدَهُ اللَّهُ بِالْعَذَابِ الْعَظِيمِ فِي الْآخِرَةِ، فَيَكْفِيهِ ذَلِكَ عَنِ الْحَدِّ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ يَسْتَوْشِي الْحَدِيثَ وَيَجْمَعُهُ وَيَحْكِيهِ وَيُخْرِجُهُ فِي قَوَالِبِ مَنْ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ، وَقِيلَ: الْحَدُّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ، وَهُوَ لَمْ يُقِرَّ بِالْقَذْفِ، وَلَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَذْكُرُهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَذْكُرُهُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.