(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ(4)
وقوله - تعالى - يَرْمُونَ من الرمي، وأصله القذف بشيء صلب أو ما يشبهه تقول:
رمى فلان فلانا بحجر. إذا قذفه به. والمراد به هنا: الشتم والقذف بفاحشة الزنا، أو ما يستلزمه كالطعن في النسب.
قال الإمام الرازي: وقد أجمع العلماء على أن المراد هنا: الرمي بالزنا.
وفي الآية أقوال تدل عليه. أحدها: تقدم ذكر الزنا. وثانيها: أنه - تعالى - ذكر المحصنات، وهن العفائف، فدل ذلك على أن المراد بالرمي رميهن بضد العفاف، وثالثها:
قوله ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ يعني على صحة ما رموهن به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا بالزنا، ورابعها: انعقاد الإجماع على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا. فوجب أن يكون المراد هنا هو الرمي بالزنا .. ».
و «المحصنات» جمع محصنة، والإحصان في اللغة بمعنى المنع، يقال: هذه درع حصينة، أي: مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال هذا موضع حصين، أي: مانع من يريده بسوء.
والمراد بالمحصنات هنا: النساء العفيفات البعيدات عن كل ريبة وفاحشة.
وسميت المرأة العفيفة بذلك. لأنها تمنع نفسها من كل سوء.
قالوا: ويطلق الإحصان على المرأة والرجل، إذا توفرت فيهما صفات العفاف.
والإسلام، والحرية، والزواج.
وإنما خص - سبحانه - النساء بالذكر هنا: لأن قذفهن أشنع، والعار الذي يلحقهن بسبب ذلك أشد، وإلا فالرجال والنساء في هذه الأحكام سواء.
وقوله - تعالى -: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ .. مبتدأ، أخبر عنه بعد ذلك بثلاث
جمل، وهي قوله: «فاجلدوهم .. ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون» .